الكلام المفرط عن تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت عن الاستهداف الإسرائيلي، بطلب أو بضمانة أميركية، ينبغي التعامل معه بأقصى درجات الحذر والواقعية السياسية، لأنّ مثل هذه التفاهمات ـ إن وُجدت ـ لا تعني بالضرورة تحييدها عن عمليات الاغتيال النوعية أو الضربات الأمنية المباغتة التي درجت إسرائيل على استخدامها كأداة ثابتة في إدارة الصراع.
ففي العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لطالما جرى الفصل بين القصف الواسع النطاق وبين عمليات الاغتيال الدقيقة، بحيث تعتبر الأخيرة جزءًا من “حرية العمل العملياتي” التي لا تتخلى عنها أي حكومة إسرائيلية، ولا سيما حكومة بنيامين نتنياهو التي بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها على عنصر الخداع والمفاجأة والضربات الاستباقية. أما الإدارة الأميركية، فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أنها غالبًا ما تمنح تل أبيب هامشًا واسعًا للتحرك في هذا النوع من العمليات، سواء عبر الصمت أو عبر الاكتفاء بتلقي الإخطار المسبق دون ممارسة أي ضغط فعلي لمنع التنفيذ.
والأخطر من ذلك أن إدراج معظم قيادات حزب الله على لوائح العقوبات الأميركية أو قوائم المطلوبين لدى واشنطن، يُنظر إليه داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باعتباره غطاءً سياسيًا ومعنويًا مسبقًا لأي عملية استهداف محتملة، بما يسمح لنتنياهو بتقديم الاغتيالات على أنها جزء من “الحرب على الإرهاب” وليس خرقًا لأي تفاهمات أو ترتيبات قائمة.
التجارب السابقة تقدم شواهد حية يصعب تجاهلها. ففي آب 2024، وبعدما أبلغ الموفد الأميركي آموس هوكشتاين الدولة اللبنانية بوجود تفاهم يقضي بتحييد الضاحية الجنوبية عن الاستهداف المباشر، لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى نفذت إسرائيل واحدة من أخطر عملياتها الأمنية داخل قلب الضاحية، مستهدفة القيادي فؤاد شكر، في عملية أدت إلى سقوط شهداء وجرحى من المدنيين وإلحاق دمار واسع بعدد من الأبنية السكنية. يومها سقط عمليًا الفارق بين الضمانات النظرية والوقائع الميدانية، وتبين أن التطمينات السياسية شيء، وسلوك إسرائيل العملياتي شيء آخر تمامًا.
كما أن التاريخ القريب والبعيد للصراع مليء بأمثلة مشابهة، من اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية واللبنانية خلال فترات تهدئة أو مفاوضات غير مباشرة، وصولًا إلى الضربات التي نُفذت بالتزامن مع مسارات دبلوماسية كانت توحي بقرب التهدئة. فإسرائيل، وخصوصًا في عهد نتنياهو، اعتادت استخدام المفاوضات غطاءً لتحسين شروطها الميدانية، فيما اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة سياسة مزدوجة تجمع بين لغة التهدئة العلنية وتوفير المظلة السياسية والعسكرية لحليفها الإسرائيلي.
وعليه، فإن أي حديث عن تحييد الضاحية أو خفض مستوى الاستهداف لا يمكن اعتباره ضمانة حقيقية ضد الاغتيالات أو العمليات الخاصة. فنتنياهو الذي جعل من الغدر والمباغتة جزءًا من أدواته السياسية والعسكرية، وترامب الذي أثبت مرارًا أن خطاباته العلنية لا تشكل بالضرورة مرآة لما يجري خلف الكواليس، يمثلان نموذجًا لسياسة تقوم على إدارة الصراع بالخداع الاستراتيجي بقدر ما تقوم على القوة العسكرية المباشرة.
لذلك، فإن المعيار الفعلي لأي تفاهم أو ضمانة لا يكون في التصريحات والوعود، بل في الوقائع الميدانية وقدرتها على الصمود أمام أول اختبار أمني أو سياسي. أما التجربة اللبنانية مع نتنياهو والإدارات الأميركية المتعاقبة، فتقول بوضوح إن الحذر يبقى أكثر واقعية من الثقة، وإن سجل الاغتيالات والضربات المفاجئة أطول بكثير من سياسة الالتزامات والضمانات
عباس المعلم - كاتب سياسي