يرتكب بعض أركان السلطة في لبنان خطيئة سياسية كبرى حين يحاولون تسويق ما يجري على أنّه “مفاوضات لوقف الحرب” أو مسارٌ يهدف إلى تثبيت السيادة وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
فالوقائع السياسية والميدانية والخطاب الصادر عن هذه السلطة، تكشف أنّ المسألة أبعد بكثير من عنوان وقف العدوان أو الوصول إلى صيغة أمنية شبيهة باتفاق الهدنة لعام 1948.
ما يجري فعليًا ليس تفاوضًا من موقع الدفاع عن لبنان، ولا من منطلق حماية سيادته الوطنية، بل عملية إعادة تموضع سياسي كاملة تُدار تحت النار، وبإشراف أميركي مباشر، هدفها نقل لبنان من خانة الصراع مع إسرائيل إلى خانة الالتحاق بمحورها الإقليمي الجديد.
هذه السلطة لا تتعامل مع إسرائيل باعتبارها جهة احتلال تمارس القتل والتدمير والاعتداء اليومي على الأراضي اللبنانية، بل تنظر إليها ضمنيًا وعمليًا بوصفها قوة يمكن الاستفادة منها لإعادة تشكيل الداخل اللبناني وفق ميزان سياسي جديد.
ولهذا، فإن خطابها لا يصدر عن غضب تجاه المعتدي، بل عن حرص على طمأنته، وتقديم أوراق الاعتماد السياسية والأمنية له، وصولًا إلى مستوى استجداء الرضا الأميركي والإسرائيلي معًا.
هي لا تفاوض على قاعدة حماية لبنان من العدوان، بل على قاعدة تقديم لبنان كوظيفة سياسية وأمنية داخل مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي أعلن عنه بنيامين نتنياهو، حيث يصبح الكيان العبري المرجعية الفعلية للتوازنات الإقليمية، وتتحول بعض الأنظمة والقوى العربية إلى أدوات حماية لهذا المشروع لا أكثر.
ومن هنا، فإن جوهر ما يُناقش في واشنطن ليس وقف الحرب بقدر ما هو إعادة صياغة هوية لبنان السياسية والاستراتيجية.
الحديث لا يدور فقط حول سلاح المقاومة أو ترتيبات الجنوب، بل حول إعادة تشكيل بنية الدولة نفسها:
الدستور، والقانون، والقضاء، والأجهزة الأمنية، والاقتصاد، والإعلام، وحتى سقف الحريات العامة والخاصة، بما يتلاءم مع المعايير السياسية والأمنية التي يريدها الأميركي والإسرائيلي، وضمنًا السعودي.
وليس هذا المسار جديدًا على المنطقة أو على لبنان تحديدًا.
فالتاريخ مليء بمحاولات إخضاع الدول العربية عبر البوابة الأمنية وربط استقرارها الداخلي بالرضا الأميركي والإسرائيلي.
منذ اتفاق 17 أيار عام 1983، حاولت إسرائيل فرض لبنان جديد يُدار سياسيًا وأمنيًا وفق مصالحها المباشرة، يومها رُوِّج أيضًا لشعارات “إنهاء الحرب” و”استعادة الدولة” و”ضبط السلاح”، لكنّ جوهر الاتفاق كان إدخال لبنان إلى المظلة الإسرائيلية وإخراجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.
ولم يسقط ذلك الاتفاق بفعل الاعتراض السياسي فقط، بل بفعل اقتناع شريحة واسعة من اللبنانيين أنّه كان محاولة لوضع البلاد تحت الوصاية الأمنية الإسرائيلية المقنّعة.
حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 لم يكن هدفه العسكري محصورًا بإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، بل كان مشروعًا متكاملًا لإعادة تركيب النظام اللبناني سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا، وتنصيب سلطة ترى في إسرائيل شريكًا وضامنًا لمستقبلها.
يومها أيضًا استُخدمت لغة “الخلاص” و”الاستقرار” و”إنقاذ لبنان”، لكن النتيجة كانت مزيدًا من الاحتلال والانقسام والدمار.
وفي السنوات الأخيرة، أعادت واشنطن وتل أبيب إنتاج الأسلوب نفسه بأدوات مختلفة.
ما سُمّي بـ”اتفاقات أبراهام” لم يكن مجرد موجة تطبيع عادية، بل محاولة لبناء شرق أوسط جديد تُدمج فيه إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا كقائد فعلي للمنطقة، فيما تتحول بعض الدول إلى ساحات مرتبطة بمنظومتها الأمنية والاستخباراتية والاقتصادية.
ضمن هذا السياق، يبدو لبنان اليوم هدفًا لمحاولة نقل تدريجية من موقع “الدولة التي تواجه الاحتلال” إلى موقع “الدولة التي تدير أمن الاحتلال”.
وهنا تكمن الخطورة الأخطر:
أن يصبح الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد والسياسة الخارجية أدوات وظيفتها الأساسية حماية الاستقرار الإسرائيلي لا حماية السيادة اللبنانية.
إنها محاولة لتطويع لبنان بالكامل، لا لإنقاذه.
ومحاولة لنقل البلاد من موقع المواجهة مع الاحتلال إلى موقع الخدمة ضمن منظومته الإقليمية.
المشكلة الحقيقية لدى هذه السلطة ليست في شعار “رفض حروب الآخرين على أرض لبنان” كما تدّعي، بل في تحديد من هم “الآخرون”.
فحين يكون “الآخر” مقاومةً ترفض الهيمنة الأميركية والإسرائيلية يصبح خطرًا يجب نزعه ومحاصرته، أما حين يكون هذا “الآخر” هو الكيان العبري نفسه، بكل ما يمثله من احتلال وعدوان وقتل وتوسع، فإن الخطاب يتبدّل فجأة إلى لغة مرنة وناعمة، مليئة بالتبرير والتفهّم والبحث عن التسويات.
والتجارب التاريخية في المنطقة تؤكد أنّ أي سلطة تراهن على الخارج لإعادة تشكيل الداخل، تنتهي غالبًا إلى فقدان الاثنين معًا: الداخل والسيادة.
شاه إيران كان الحليف الأكثر التصاقًا بالمشروع الأميركي في المنطقة، فسقط رغم كل أجهزة القمع والدعم الخارجي.
وجيش أنطوان لحد في جنوب لبنان امتلك الغطاء الإسرائيلي الكامل، لكنه انهار خلال ساعات فور تبدل الميدان.
حتى الأنظمة العربية التي اندفعت نحو التطبيع على قاعدة الحماية الأميركية، لم تحصل على استقرار فعلي بقدر ما دخلت في تبعية أعمق سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
وهنا تكمن المفارقة القاسية ،أن تتحول السلطة، باسم السيادة، إلى بوابة عبور للمشروع الذي يضرب السيادة نفسها، وأن يُقدَّم الارتهان للخارج باعتباره خلاصًا، فيما تُصوَّر أي قوة ترفض الخضوع وكأنها الخطر الوحيد على البلاد.
عباس المعلم - كاتب سياسي