عبد الحميد كناكري خوجة: مواقف بطولية مشرفة جديرة بالسناء والثناء حتى تلامس السماء.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: مواقف بطولية مشرفة جديرة بالسناء والثناء حتى تلامس السماء.

”الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومشروع السيادة في زمن الانكسارات العربية وصبر التحولات الجيوسياسية."

في زمن تتكسر فيه البوصلات قبل البنادق، وتضيع فيه المعاير بين ضجيج المصالح وضباب الاصطفافات، برزت الجمهورية بوصفها تجربة سياسية لا يمكن اختزالها في حدود الجغرافيا أو في إطار السجالات الإعلامية العابرة؛ بل باعتبارها مشروع سيادة أعاد طرح سؤال الكرامة الوطنية في عصر باتت فيه بعض الكراسي المزخرفة تقايض القرار ببريق الحماية المؤقتة، وتستبدل منطق الأمة بمنطق السوق ومنطق التحرر بمنطق الارتهان الناعم.

ومع ذلك فإن الإنصاف الفكري والأخلاقي يقتضي أن لا تؤخذ الأمة العربية بجريرة فئة من الساسة أو نخب الارتهان؛ فالشعوب العربية، ومعها جيوش وطنية كثيرة، ماتزال تختزل في وجدانها جذوة العروبة والكرامة ورفض الهيمنة، وما تزال ترى في فلسطين قضية حق لا ملفا قابلا للمساومة أو النسيان. ولذلك فإن الحديث عن الإنكسار لا يعني التعميم، بل الاشارة إلى أولئك الذين فضلوا موائد التبعية على موائد السيادة، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا هوامش في دفاتر القوى الكبرى بدل أن يكونوا صناع قرار في تاريخ المنطقة. وفي المقابل، استطاعت طهران، رغم الحصار والعقوبات والحروب المركبة، أن تكسر جزءا معتبرا من الغطرسة الصهيو_أمريكية التي طالما حاولت فرض معادلة: ”إما الخضوع وإما الفوضى". غير أن الجمهورية الاسلامية الإيرانية قدمت نموذجا مختلفا؛ نموذجا يقوم على فلسفة الصمود الاستراتيجي، وعلى تحويل الضغط إلى قدرة، والحصار إلى دافع للإكتفاء، والاستهداف إلى مشروع نهوض علمي وعسكري وتقني وسيادي.

إن المتأمل في المشهد الجيوسياسي يدرك أن إيران اليوم ليست هي إيران الأمس؛ تحولت من دولة يراد تطويعها إلى دولة تفرض حضورها في معادلات الإقليم، ومن كيان مستهدف بالعزل إلى رقم صعب في توازنات الردع. وهذه التحولات لم تأت من فراغ، بل من تراكم الإرادة السياسية، وبناء مؤسسات القوة والاستثمار في العقل والعلم والصبر الاستراتيجي، حتى أصبحت كثير من القوى المعادية تتعامل مع طهران بمنطق الحساب الدقيق لا بمنطق الاستعلاء القديم. ومن زاوية القانون الدولي والمنطق السياسي، فإن من حق الجمهورية أن تطالب برفع الحصار الجائر المفروض على شعبها منذ عام 1979 ذلك الحصار الذي تجاوز في أحيان كثيرة حدود الخلاف السياسي إلى محاولات إنهاك المجتمع الإيراني اقتصاديا ومعيشيا. كما أن من حقها الطبيعي المطالبة باسترجاع أموالها المحتجزة والمجمدة منذ عقود، لأن الشعوب لا تسقط بالتقادم، ولأن السيادة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية.

لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن الأمم التي تملك إرادة الصمود قادرة على تحويل الجراح إلى مفاتيح قوة، وأن الكرامة ليست شعارا احتفاليا بل مشروع يحتاج إلى تضحية وصبر ورؤية بعيدة المدى. ومن هنا، رأى كثيرون في صمود إيران إعادة لشئ من الهيبة لا بوصفها حالة مثالية خالية من التعقيد، بل بوصفها تجربة استطاعت أن تقول ”لا" في زمن صار فيه قول ”لا" عملة نادرة. وهكذا، فإن طهران، بمالها وما عليها، استطاعت أن تفرض نفسها كأحد أبرز الفاعلين في هندسة التوازن الإقليمي وأن تؤكد أن السياسة ليست خضوع لموازين القوة الناعمة، بل قدرة على إعادة تشكيل تلك الموازين حين تمتلك الدولة مشروعا، وإرادة، وعقيدة سيادة لا تباع في أسواق النفوذ.

إن الشعوب التي تتقن فن الصبر الاستراتيجي، قادرة على تحويل الجراح إلى قوة، والعقوبات إلى نهضة وسيادة.

كاتب سوري حر.