تصميم الهرم الأكبر يتحدى الزلازل عبر آلاف السنين
دراسات و أبحاث
تصميم الهرم الأكبر يتحدى الزلازل عبر آلاف السنين
22 أيار 2026 , 14:15 م

لا يزال الهرم الأكبر للملك خوفو في الجيزة يثير دهشة العلماء بعد أكثر من 4600 عام على بنائه، إذ تمكن من الصمود رغم الزلازل والعوامل الطبيعية التي أدت إلى انهيار العديد من المنشآت القديمة في مصر.

ورغم فقدانه جزءا كبيرا من كسوته الخارجية البيضاء اللامعة عبر القرون، فإن البنية الأساسية للهرم ما تزال متماسكة، مع بقاء كتل الجرانيت والحجر الجيري في مواقعها بشكل يثير إعجاب الباحثين والمتخصصين في الهندسة والآثار.

دراسة جديدة تكشف سر مقاومة الزلازل

توصلت دراسة علمية حديثة إلى أن تصميم الهرم الأكبر قد يمنحه قدرة استثنائية على مقاومة الزلازل، سواء كان ذلك مقصودا من المهندسين المصريين القدماء أو نتيجة طبيعية لطريقة البناء.

وأشار الباحثون إلى أن من أبرز العناصر التي ساعدت في ذلك ما يُعرف بـ"غرف تخفيف الضغط" الموجودة فوق حجرة دفن الملك خوفو، وهي فراغات داخلية يُعتقد أنها لعبت دورا مهما في توزيع الأحمال وتقليل تأثير الاهتزازات الأرضية.

بناء ضخم بكتل حجرية هائلة

يُعد بناء الهرم الأكبر واحدا من أضخم المشاريع الهندسية في التاريخ القديم، إذ يتكون من نحو 2.3 مليون كتلة حجرية يصل وزنها الإجمالي إلى حوالي 6 ملايين طن.

الهرم الأكبر ( مصدر الصورة: ScienceAlert⁠ )

وجرى نقل بعض هذه الأحجار لمسافات طويلة قبل تجميعها بدقة لتشكيل هيكل ضخم يبلغ ارتفاعه نحو 147 مترا، مع وجود عدد محدود من الغرف والممرات الداخلية.

لماذا صمد هرم خوفو بينما انهارت أهرامات أخرى؟

رغم متانة الأهرامات بشكل عام، فإن العديد منها تعرض لانهيارات جزئية أو تحولت إلى أكوام من الحجارة مع مرور الزمن.

ومن بين الأمثلة على ذلك هرم ميدوم الذي انهار جزء كبير من هيكله الخارجي في العصور القديمة، إضافة إلى أهرامات أوسركاف وساحورع وأوناس التي تضررت بشكل واضح.

كما أظهرت دراسات سابقة في مناطق بأمريكا الوسطى أن الأهرامات الحجرية يمكن أن تتأثر بشدة بالزلازل نتيجة الضغوط الناتجة عن اهتزاز الأرض.

ورغم أن مصر ليست من أكثر المناطق نشاطا زلزاليا، فإن المنطقة المحيطة بالهرم الأكبر شهدت زلزالين قويين على الأقل خلال القرنين الماضيين.

زلازل قوية ضربت منطقة الجيزة

في عام 1847 تعرضت المنطقة لزلزال بلغت قوته التقديرية 6.8 درجة، بينما سجلت مصر عام 1992 زلزالا بقوة 5.8 درجة تسبب في سقوط بعض أحجار الكسوة من الجزء العلوي لهرم الجيزة.

هذه الوقائع دفعت الباحثين للتساؤل حول السبب الذي جعل الهرم الأكبر يصمد بينما تعرضت منشآت أخرى لأضرار كبيرة.

أجهزة استشعار داخل الهرم

قاد الدراسة عالم الزلازل المصري عاصم سلامة من المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، حيث قام فريقه بتركيب 37 جهاز استشعار للاهتزازات داخل الهرم وحوله.

وتوزعت الأجهزة داخل حجرة الملك وحجرة الملكة وغرف تخفيف الضغط والممرات والأنفاق، إضافة إلى الأحجار الخارجية والمنطقة المحيطة بالهرم.

واعتمد الباحثون على قياس الاهتزازات الطبيعية الناتجة عن حركة الرياح والمرور والطاقة القادمة من أمواج المحيطات والاهتزازات الدقيقة في القشرة الأرضية.

اختلاف الترددات قد يكون مفتاح النجاة

أظهرت النتائج أن التردد الاهتزازي للأرض المحيطة بالهرم يبلغ نحو 0.6 هرتز، بينما تراوح التردد داخل الهرم بين 2 و2.6 هرتز.

ويرى الباحثون أن هذا الاختلاف قد يكون عاملا أساسيا في تقليل انتقال الطاقة الزلزالية من الأرض إلى الهرم، ما يمنع حدوث ظاهرة "الرنين" التي تؤدي عادة إلى تدمير المباني أثناء الزلازل.

غرف تخفيف الضغط لعبت دورا إضافيا

لاحظ العلماء أن الاهتزازات داخل غرف تخفيف الضغط كانت أقل بشكل ملحوظ مقارنة ببقية أجزاء الهرم، مما يشير إلى أنها لا تقوم فقط بتخفيف الأحمال فوق حجرة الملك، بل قد تساعد أيضا في توزيع الضغط وقطع انتقال الاهتزازات.

ورغم أن الهدف الأساسي من هذه الغرف كان على الأرجح دعم الهيكل المعماري، فإن الدراسة تشير إلى أنها ربما ساهمت بشكل غير مباشر في حماية الهرم من الزلازل عبر آلاف السنين.

تصميم مختلف عن المباني الحديثة

أكد الباحثون أن طريقة بناء الهرم تختلف تماما عن أساليب مقاومة الزلازل الحديثة، التي تعتمد غالبا على المرونة والحركة، بينما يعتمد الهرم الأكبر على الكتلة الضخمة والتوزيع المتوازن للوزن.

ورغم ذلك، شدد الفريق العلمي على أنه لا توجد أدلة قاطعة حتى الآن تؤكد أن المصريين القدماء صمموا الهرم خصيصا لمقاومة الزلازل، إلا أن النتائج تعكس مستوى متقدما من الفهم الهندسي لدى مهندسي الحضارة المصرية القديمة.

خطط لمزيد من الدراسات

أوضح الباحثون أنهم يعتزمون إجراء قياسات إضافية في بعض المناطق داخل الهرم التي أظهرت نتائج غير معتادة، بهدف التحقق بشكل أعمق من خصائصه الهندسية والزلازلية.

وأكد الفريق أن هذه النتائج قد تعزز مكانة هرم خوفو ليس فقط كأعجوبة معمارية، بل أيضًا كنموذج مبكر للهندسة المقاومة للزلازل.

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Scientific Reports العلمية المتخصصة.

المصدر: sciencealert