دراسة تكشف سر هيمنة اليد اليمنى لدى البشر عبر التطور البشري
دراسات و أبحاث
دراسة تكشف سر هيمنة اليد اليمنى لدى البشر عبر التطور البشري
22 أيار 2026 , 14:51 م

توصلت دراسة علمية جديدة إلى تفسير محتمل لسبب اعتماد أغلب البشر على اليد اليمنى ، في ظاهرة لطالما حيّرت العلماء لعقود طويلة.

وبحسب الدراسة، فإن السبب قد يرتبط بمرحلتين أساسيتين في تطور الإنسان، هما المشي المنتصب على قدمين وتطور أدمغة أكبر وأكثر تعقيدا.

ويُعد البشر الكائنات الوحيدة بين الرئيسيات التي تُظهر تفضيلا واضحا لاستخدام يد واحدة على مستوى معظم أفراد النوع، إذ يستخدم نحو 90% من سكان العالم اليد اليمنى بشكل أساسي.

لغز لم تستطع الدراسات السابقة حسمه

اليد اليمنى ( مصدر الصورة: Unsplash )

ناقش العلماء سابقا عدة تفسيرات محتملة لهذه الظاهرة، شملت العوامل الوراثية وبنية الدماغ واستخدام الأدوات والنمو العصبي، لكن أصول هيمنة اليد اليمنى بقيت غير محسومة علميًا.

الدراسة الجديدة التي أجراها باحثون من University of Oxford قدّمت أدلة جديدة تشير إلى أن الظاهرة مرتبطة بشكل مباشر بتطور الإنسان نفسه.

تحليل 41 نوعا من القردة والقرود العليا

قاد الدراسة الدكتور Thomas A. Püschel بالتعاون مع الباحثة Rachel M. Hurwitz والبروفيسور Chris Venditti.

وقام الفريق بتحليل بيانات 2025 فردا يمثلون 41 نوعا من القرود والقردة العليا، مستخدمين نماذج إحصائية متقدمة لدراسة كيفية تطور تفضيل استخدام اليد عبر التاريخ التطوري للرئيسيات.

ودرس الباحثون عدة عوامل محتملة، بينها استخدام الأدوات والنظام الغذائي والموائل والوزن والسلوك الاجتماعي وحجم الدماغ وأنماط الحركة.

المشي المنتصب غيّر طريقة استخدام اليدين

في البداية بدا البشر مختلفين تماما عن بقية الرئيسيات من حيث الاعتماد الكبير على اليد اليمنى، لكن عند إضافة عاملين جديدين إلى التحليل، وهما حجم الدماغ ونسبة طول الذراعين إلى الساقين، تغيرت النتائج بشكل واضح.

وتُستخدم نسبة الذراع إلى الساق كمؤشر على المشي على قدمين أو الحركة المنتصبة.

وخلص الباحثون إلى أن الجمع بين المشي المنتصب وتطور أدمغة أكبر قد يكون السبب الرئيسي وراء تطور التفضيل القوي لليد اليمنى لدى البشر.

كيف تطور تفضيل اليد عبر تاريخ الإنسان؟

استخدم الباحثون النماذج نفسها لتقدير تفضيل اليد لدى أسلاف البشر المنقرضين.

وأظهرت النتائج أن الكائنات البشرية المبكرة مثل أرديبيثيكوس وأسترالوبيثيكوس ربما امتلكت تفضيلا بسيطا لليد اليمنى يشبه ما يظهر لدى القردة العليا الحديثة.

لكن الوضع تغير مع ظهور جنس "هومو"، إذ بدأت أنواع مثل الإنسان المنتصب والنياندرتال في إظهار تفضيل أقوى تدريجيا لليد اليمنى.

وفي النهاية، وصل الإنسان العاقل الحديث إلى المستوى المرتفع جدًا من هيمنة اليد اليمنى المعروف اليوم.

نوع بشري قديم شكّل استثناءً

أشارت الدراسة إلى أن نوع Homo floresiensis المعروف باسم "إنسان الهوبيت" كان استثناءً ملحوظا.

ورجح الباحثون أن هذا النوع امتلك تفضيلًا أضعف لليد اليمنى بسبب امتلاكه دماغا أصغر وخصائص جسدية تجمع بين التسلق والمشي المنتصب، دون الاعتماد الكامل على الحركة الثنائية مثل البشر المعاصرين.

الدماغ الأكبر عزز هيمنة اليد اليمنى

تشير النتائج إلى أن تطور تفضيل اليد مر بمرحلتين رئيسيتين.

في المرحلة الأولى، أدى المشي المنتصب إلى تحرير اليدين من مهام الحركة، ما سمح باستخدامهما في حمل الأشياء وتنفيذ مهام دقيقة ومتخصصة.

أما المرحلة الثانية، فجاءت مع تطور الدماغ البشري وزيادة تعقيده، وهو ما عزز الميل لاستخدام اليد اليمنى حتى أصبح منتشرا لدى غالبية البشر.

وقال الدكتور توماس بوشل إن الدراسة تُعد الأولى التي تختبر عدة فرضيات رئيسية حول تفضيل اليد ضمن إطار علمي واحد، مضيفًا أن النتائج تشير إلى أن الظاهرة مرتبطة بخصائص أساسية تميز البشر، وعلى رأسها المشي المنتصب وتطور الدماغ.

لماذا لا يزال بعض البشر يستخدمون اليد اليسرى؟

رغم النتائج الجديدة، أكد الباحثون أن هناك أسئلة ما تزال بلا إجابة، أبرزها سبب استمرار وجود الأشخاص العُسر عبر التاريخ البشري.

كما يسعى العلماء مستقبلا لفهم الدور الذي لعبته الثقافة البشرية والمجتمعات في تعزيز انتشار استخدام اليد اليمنى عبر الزمن.

وأشار الفريق أيضا إلى أن وجود تفضيلات مشابهة لدى بعض الحيوانات مثل الببغاوات والكنغر قد يكشف عن أنماط تطورية أوسع تشترك فيها أنواع مختلفة من الكائنات.

نُشرت الدراسة في مجلة PLOS Biology.

المصدر: مجلة PLOS Biology