الخلايا الجذعية تفتح آفاقا واعدة لعلاج السكري
دراسات و أبحاث
الخلايا الجذعية تفتح آفاقا واعدة لعلاج السكري
24 أيار 2026 , 15:02 م

يحتوي جسم الإنسان البالغ على نحو 30 تريليون خلية، وجميع هذه الخلايا تعود في الأصل إلى عدد محدود من الخلايا الجذعية التي تتشكل في المراحل الأولى من نمو الجنين. وتمتلك الخلايا الجذعية الجنينية قدرة فريدة على التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم، وهي الخاصية التي تُعرف باسم "تعدد القدرات"، والتي يعتمد عليها الباحثون حاليا في مجالات الطب والبحث العلمي.

بدأ استخدام الخلايا الجذعية الجنينية البشرية في الأبحاث عام 1998، بعدما تم التبرع بعدد من الأجنة من قبل أزواج خضعوا لعمليات التلقيح الصناعي. وتمكن العلماء حينها من إنتاج مصدر شبه غير محدود من الخلايا متعددة القدرات، وما تزال هذه الخلايا تُستخدم حتى اليوم في العديد من المختبرات البحثية حول العالم.

وفي عام 2007، شهد المجال تطورا مهما بعدما نجح فريقان بحثيان، أحدهما بقيادة العالم الياباني شينيا ياماناكا في جامعة كيوتو، والآخر بقيادة جيمس طومسون في جامعة ويسكونسن-ماديسون الأمريكية، في إعادة برمجة خلايا ناضجة مثل خلايا الجلد لتعود إلى حالة شبيهة بالخلايا الجذعية.

وتُعرف هذه الخلايا باسم "الخلايا الجذعية متعددة القدرات المستحثة"، وتمتاز بأنها تحمل الحمض النووي الخاص بالمريض نفسه، ما يتيح تطوير علاجات أكثر تخصيصًا ودقة.

كيف تُستخدم الخلايا الجذعية لعلاج السكري؟

علاج السكري بالخلايا الجذعية ( مصدر الصورة: The Conversation )

يعمل الباحثون حاليا على استخدام الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا "بيتا" المسؤولة عن إفراز الإنسولين، وهي الخلايا التي يهاجمها الجهاز المناعي لدى المصابين بالسكري من النوع الأول.

ويؤدي تدمير هذه الخلايا إلى اعتماد المرضى بشكل كامل على حقن الإنسولين للتحكم في مستويات السكر في الدم وتجنب مضاعفات خطيرة مثل تلف الأعصاب والأوعية الدموية.

ورغم فعالية العلاج بالإنسولين، فإنه لا يعوض الوظائف الطبيعية الدقيقة التي تؤديها خلايا "بيتا" داخل الجسم، كما أنه لا يخفف العبء النفسي المرتبط بالتعايش مع المرض، ما يجعل كثيرًا من المرضى عرضة لمشكلات صحية طويلة الأمد.

ولهذا السبب، يسعى الباحثون إلى تطوير خلايا "بيتا" يتم إنتاجها داخل المختبر انطلاقا من الخلايا الجذعية، بهدف إعادة قدرة الجسم الطبيعية على إنتاج الإنسولين.

نتائج واعدة في التجارب السريرية

أظهرت تجارب سريرية حديثة نتائج مشجعة في هذا المجال.

فقد قامت شركة Vertex Pharmaceuticals بزراعة خلايا "بيتا" مشتقة من الخلايا الجذعية الجنينية لدى 12 مريضا بالسكري من النوع الأول، وتمكن 10 منهم، أي ما يعادل 83%، من التوقف عن استخدام حقن الإنسولين خلال ستة أشهر فقط.

وفي تجربة أخرى، نجح فريق بحثي صيني في إعادة برمجة خلايا دهنية مأخوذة من مريض بالسكري من النوع الأول وتحويلها إلى خلايا جذعية مستحثة، ثم إلى خلايا "بيتا"، قبل زراعتها أسفل عضلات البطن لدى المريض.

وبحسب الدراسة، أصبح المريض قادرا على الاستغناء عن الإنسولين بعد 75 يوما فقط من العملية، واستمر ذلك لمدة لا تقل عن 12 شهرا.

وتشير هذه النتائج إلى أن خلايا "بيتا" المنتجة من الخلايا الجذعية قادرة على البقاء والنضج والعمل بكفاءة بعد زراعتها داخل جسم الإنسان، إلا أن هناك تحديات ما تزال قائمة، أبرزها ضمان إنتاج الخلايا المطلوبة بدقة وأمان وعلى نطاق واسع، إضافة إلى مشكلة رفض الجهاز المناعي للخلايا المزروعة.

تحدي رفض الجهاز المناعي

تختلف الخلايا المنتجة داخل المختبر وراثيا عن خلايا المريض، لذلك يتعامل معها الجهاز المناعي باعتبارها أجسامًا غريبة ويهاجمها.

ويأمل الباحثون في تجاوز هذه المشكلة عبر استخدام خلايا جذعية مستحثة تحمل الحمض النووي للمريض نفسه، لكن حتى هذه الخلايا قد تتصرف بشكل غير متوقع بعد فترات طويلة من إعادة البرمجة والنمو داخل المختبر، ما يجعل خطر الرفض المناعي قائما.

كما أن مرض السكري من النوع الأول يُعد من أمراض المناعة الذاتية، ما يعني أن الجهاز المناعي قد يهاجم الخلايا الجديدة بالطريقة نفسها التي دمّر بها الخلايا الأصلية.

ويستخدم الأطباء حاليا أدوية مثبطة للمناعة لمنع رفض الخلايا المزروعة، إلا أن هذه الأدوية تحمل مخاطر صحية كبيرة قد تفوق فوائدها لدى كثير من المرضى.

تقنيات جديدة لتفادي الرفض المناعي

يعمل العلماء حاليا على تطوير وسائل جديدة تمنع رفض الخلايا دون الحاجة إلى أدوية تثبيط المناعة، مثل استخدام كبسولات واقية تحمي الخلايا المزروعة أو إجراء تعديلات جينية تساعد الخلايا على التخفي من الجهاز المناعي.

وفي دراسة نُشرت عام 2025، نجح باحثون في زراعة خلايا معدلة جينيًا لدى مريض بالسكري من النوع الأول دون استخدام أي أدوية مثبطة للمناعة.

وأظهرت النتائج عدم حدوث أي استجابة مناعية ضد الخلايا المزروعة، التي استمرت في إفراز الإنسولين وتحسين مستويات السكر في الدم لمدة وصلت إلى 12 أسبوعا.

ويرى الباحثون أن هذا التطور يمثل خطوة مهمة لتجاوز واحدة من أكبر العقبات في مجال الطب التجديدي.

مستقبل العلاج بالخلايا الجذعية

توفر الخلايا الجذعية إمكانات واسعة في مجالات الطب والأبحاث العلمية، ويواصل العلماء تحقيق تقدم ملحوظ في تحويل هذه الخلايا إلى أنسجة متخصصة، كما بدأت تظهر بالفعل أولى التجارب السريرية الناجحة.

ومع ذلك، لا تزال هذه العلاجات في المرحلة التجريبية، ولم تحصل حتى الآن على موافقة الجهات الصحية الرسمية مثل وزارة الصحة الكندية أو إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

وينصح الخبراء المرضى بالحذر من العلاجات غير المعتمدة للخلايا الجذعية، والتأكد من استشارة الأطباء المختصين قبل المشاركة في أي تجارب سريرية.

ورغم التحديات الحالية، فإن التقدم العلمي المتسارع يمنح أملا حقيقيا بإمكانية تطوير علاجات مستقبلية قادرة على تحسين حياة المصابين بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري من النوع الأول.

المصدر: The Conversation