نجح فريق من العلماء في كشف الآلية الكاملة التي تستخدمها نباتات التبغ لإنتاج مادة النيكوتين طبيعيا، في إنجاز علمي أنهى لغزا حيّر الباحثين منذ القرن التاسع عشر.
ويُعد النيكوتين المادة الأساسية المسببة للإدمان في منتجات التبغ، وقد استخدمه البشر منذ أكثر من 10 آلاف عام، إلا أن كيفية تصنيعه داخل النبات بقيت غير مفهومة بشكل كامل رغم عقود طويلة من الدراسات العلمية.

اكتشاف الجينات والإنزيمات المسؤولة
قاد الدراسة باحثون من University of York، حيث تمكن الفريق من تحديد الجينات والإنزيمات المفقودة المسؤولة عن إنتاج النيكوتين داخل نباتات التبغ.
كما نجح العلماء في إعادة بناء عملية تصنيع النيكوتين داخل المختبر وداخل نباتات حية، وهو ما يمثل خطوة مهمة لفهم هذا المسار الحيوي المعقد.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications العلمية.
مرحلة مخفية أربكت العلماء لعقود
أوضح الباحثون أن العنصر الأهم في الاكتشاف تمثل في العثور على مرحلة كيميائية حيوية "مخفية" لم تكن معروفة سابقا.
وبيّنت الدراسة أن النيكوتين يتشكل في البداية مرتبطا بجزيء من الجلوكوز، وهو ارتباط يوفر دعمًا طاقيًا يسمح بتجميع المكونات الأساسية لجزيء النيكوتين.
لكن في المرحلة النهائية ينفصل الجلوكوز عن المركب، ما جعل هذه الخطوة صعبة الاكتشاف طوال السنوات الماضية.
ويرى العلماء أن هذه المرحلة "المموهة" تفسر سبب استمرار الغموض حول كيفية تصنيع النيكوتين لما يقرب من 200 عام.
تحديد البنية ثلاثية الأبعاد للإنزيمات
ركزت الدراسة أيضا على الكيمياء الحيوية البنيوية، حيث تمكن الباحثون من تحديد التركيب ثلاثي الأبعاد لإنزيمين رئيسيين هما "NaGR" و"NicGS"، المسؤولين عن تحفيز مراحل مختلفة من تكوين النيكوتين.
وأكدت النتائج أن جزيء النيكوتين يتكون من بنيتين حلقيتين تنشآن عبر مسارين أيضيين مختلفين، إذ يتم تصنيع أحد الجزأين من مركب يشبه الفيتامينات، بينما يتكون الجزء الآخر من حمض أميني يدخل في عمليات بناء البروتينات داخل النبات.
فرص جديدة للهندسة الوراثية والزراعة الجزيئية
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تطوير استخدامات جديدة لنباتات التبغ في مجالات التكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية.
وأشار الباحثون إلى إمكانية تعديل النباتات وراثيًا لإزالة النيكوتين بالكامل أو إعادة توجيه عملية التصنيع الحيوي لإنتاج مركبات مفيدة بدلا منه.
وتبرز أهمية ذلك بشكل خاص في مجال "الزراعة الجزيئية"، حيث تُستخدم أنواع من التبغ بالفعل لإنتاج بروتينات علاجية ولقاحات ومستحضرات دوائية حيوية.
إمكانات واسعة في الصناعات الطبية
قال الباحث Benjamin Lichman إن نباتات التبغ تمتلك إمكانات كبيرة كمنصة حيوية لإنتاج اللقاحات والمركبات الدوائية، لكن وجود النيكوتين الطبيعي داخلها كان يمثل عقبة رئيسية بسبب الحاجة إلى مراحل تنقية إضافية.
وأضاف أن فهم آلية تصنيع النيكوتين بشكل كامل قد يساعد مستقبلًا في تطوير نباتات أكثر أمانا وكفاءة للاستخدامات الطبية والصناعية.
أهمية الاكتشاف للمستقبل العلمي
يعتقد العلماء أن هذا الإنجاز لا يقتصر فقط على فهم كيفية إنتاج النيكوتين، بل قد يسهم أيضًا في تطوير تقنيات جديدة للهندسة الوراثية وتحسين المحاصيل الزراعية المستخدمة في الصناعات الدوائية.
كما قد يساعد هذا التقدم في تعزيز الأبحاث المتعلقة بإنتاج الأدوية واللقاحات باستخدام النباتات، ضمن توجه عالمي متزايد نحو حلول حيوية منخفضة التكلفة وأكثر استدامة.