«هدنة الخديعة» وسقوط أوهام ترامب: لماذا لا يُنهي «الضجيج» ما فُرض في الميدان؟
مقالات
«هدنة الخديعة» وسقوط أوهام ترامب: لماذا لا يُنهي «الضجيج» ما فُرض في الميدان؟
موسى عباس
25 أيار 2026 , 19:48 م

كتب: موسى عبّاس

تحلّ علينا ذكرى الخامس والعشرين من أيار، لا كذكرى للمفاخرة فحسب، بل كقاعدةِ ارتكازٍ استراتيجيةٍ لكل من يقرأ الواقع اليوم. ففي عام 2000، لم يرحل الاحتلال نتيجة "تسريباتٍ" صحفية أو "تفاهماتٍ" دبلوماسية وُلدت في أروقة العواصم، بل رحل بفعل فعلٍ ميدانيٍّ تراكميٍّ، وبفضل دماء مئات الشهداء وأنين آلاف الجرحى وعذابات مئات الأسرى وإرادةٍ صلبةٍ لقيادة قلٌ نظيرها رفضت أن تساوم على الحق.

اليوم، ونحن نرى ضجيج التسريبات حول "اتفاقٍ وشيك" بين واشنطن وطهران، يتضح لنا أننا أمام فصلٍ جديدٍ من فصول الحرب النفسية. إن ما يروجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصات التواصل حول اتفاق "بالمراحل النهائية" أو "تفاهماتٍ حول مضيق هرمز"، ليس إلا محاولةً لفرض واقعٍ إعلاميٍّ يخدم أجندته الخاصة، بعيداً عن أي مضمونٍ سياسيٍّ حقيقي.

1. انعدام الثقة: ترامب و"فن التبجُح".

إن تصريحات ترامب، التي تتراوح بين التلويح بـ "التدمير الكامل" وبين الحديث عن "صفقاتٍ كبرى"، لا تعدو كونها ممارسةً لأسلوبٍ اعتاد عليه في إدارة الحروب: التبجح لتحصيل مكاسب رخيصة. إن تجاربنا معه - ومع المنظومة التي يمثلها - تؤكد أن وعوده لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وأن محاولاته لتسويق "اتفاقات" لم يطّلع عليها أحد، تهدف فقط إلى تخدير الرأي العام المناهض للحرب وشراء الوقت لترميم صورة الردع المتآكل.

2. الميدان هو المُشرّع الأوحد.

إن محاولات التلاعب بالواقع عبر "هدنةٍ على الورق" بينما تستمر الحرب على الأرض، ليست إلا استراحة محاربٍ يسعى الطرف المعتدي من خلالها إلى ترميم تصدعاته. إن التجربة التاريخية علمتنا أن العدو لا يفهم لغة الوعود؛ بل يفهم لغة القوة التي تفرض عليه وقائع لا مفرّ له منها. أي عملٍ جاد اليوم لا يبدأ من مكاتب البيت الأبيض أو وعود ترامب المتناقضة، بل من تحصين الموقف في الميدان وتثبيت معادلات الردع التي تجعل من "إعادة الهيمنة" حلماً مستحيلاً.

3. الصبر كاستراتيجية وجودية.

لقد راهن المعتدي دائماً على كسر "نفس الشعوب" عبر الضغوط. لكن ما يغيب عن حساباتهم هو أن الصبر ليس مجرد انتظار، بل هو "عملٌ دؤوبٌ" يتطلب تحمل التبعات. إننا ندرك أن "الاتفاقات" المزعومة هي مجرد محاولة لإطالة عمر أزماتهم، بينما المقاومة تدرك أن طريق التحرير، الذي عبّدته دماء الشهداء وصمود وتحمُل وصبر البيئة الحاضنة في 2000، كان ثمرة قرارٍ مستقلٍّ، والسيادة اليوم تُنتزع بقرارٍ مشابهٍ يرفض الإملاءات الخارجية مهما تنوعت أقنعتها.

4. الخروج من إطار المجاملات.

لقد آن الأوان لإنهاء مرحلة "الخطاب الدبلوماسي" الذي يغلّف الصراع بمصطلحاتٍ قد تضعف الموقف. الصراع الحالي هو صراع وجودٍ:

* لا قيمة لأي وعودٍ تصدر عن شخصيةٍ تتخبط بين التهديد والترغيب كترامب.

* لا هدنة تحمينا ما لم تكن محميةً بقوة الميدان لا بضجيج التصريحات الإعلامية.

* إن أي مسارٍ حقيقيٍّ يجب أن يبدأ بوقف العدوان والإنسحاب الكامل وإطلاق الأسرى ورفع الحصار، وليس بمسرحياتٍ إعلاميةٍ لخدمة الانتخابات االصهيو_أمريكية.

إننا في ذكرى التحرير لا ننظر إلى الخلف لنسترجع أمجاداً، بل لنستلهم منها القوة لمواجهة الحاضر. إن مشروع الهيمنة الذي يقوده تحالف "ترامب-نتنياهو" يراهن على الخديعة، ونحن نراهن على الحقيقة والميدان. فليذهب ضجيج ترامب أدراج الرياح؛ فنهاية المعتدي حتمية، لأن الأرض والناس والحق أصحاب القرار الأخير، وليست "التسريبات" التي لا تصمد أمام إرادة من توكّلوا على الله وأثبتوا أنهم لا يُهزمون.