عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في جنوب لبنان
بينما ينظر العالم إلى الجبهة اللبنانية، عبر عدسات التطورات الأمنية الآنية، فإن القراءة الإستراتيجية العميقة، تكشف أن خط سير العمليات العدوانية الحالي، والتدمير الممنهج للقرى الحدودية، وصولاً إلى نهر الليطاني والأولي، يمثل محاولة تصفية حساب تاريخي وجغرافي يستند إلى أدبيات "التناخ" (الكتاب المقدس العبري) والتفسيرات الحاخامية للتخوم الشمالية.
فإن ما يحدث ليس حرباً دفاعية، بل هو محاولة لترسيم "حدود الوعود" بالحديد والنار.
أولاً: الخلفية التوراتية للأطماع في الجغرافيا اللبنانية
ففي أدبيات "التناخ" (الكتاب المقدس العبري)، لا يُعامل لبنان ككيان غريب، بل كجزء من الطموح الجغرافي والنظرية الوعودية الكبرى. وهذا الحضور يتجلى في مستويين خطيرين:
1- تخوم الوعود النظرية (أرض إسرائيل الكاملة):
في سفر التثنية (11: 24) وسفر يشوع (1: 4)، تتكرر العبارة التوراتية: "من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات... يكون تخمكم".
ففي العقلية الخلاصية اليقينية التي تحكم اليمين الإسرائيلي اليوم، يُفسر "لبنان هذا" كأرض موعودة يجب استعادتها، أو في حدها الأدنى، تفريغها وتحويلها إلى منطقة نفوذ أمني مباشر.
2-الجغرافيا المنسية لسبط أشير:
يؤصل سفر يشوع (الإصحاح 19) لتبعية مناطق جنوب لبنان الحالية (وصولاً إلى صور وصيدون) لقرعة "سبط أشير".
وفي سفر القضاة، يُسجل النص عجز بني إسرائيل قديماً عن طرد الكنعانيين (الفينيقيين) من تلك التخوم. لذا، فإن العقلية الاستعلائية الحالية ترى في القصف التدميري الراهن، فرصة تاريخية "لتصحيح" ما عجز عنه الأسلاف قبل آلاف السنين، وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، لإنشاء الحزام الجغرافي الموعود.
ثانياً: استراتيجية الأرض المحروقة وتغيير الواقع الديمغرافي
إن الإستراتيجية الإسرائيلية المعتمدة منذ أواخر عام 2024 وحتى اليوم، والقائمة على استباحة الجنوب بغارات تدميرية ممنهجة، تهدف بوضوح إلى جعل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني "غير قابلة للحياة البشرية".
وهذا السلوك العسكري يتطابق مع قراءة حرفية لبعض النبوءات التحذيرية في سفر أشعياء (29: 17): "أليس في مدة قليلة جداً يتحول لبنان بستاناً، والبستان يحسب وعراً؟".
إن تحويل القرى الآهلة والزراعية إلى وعر، وخط نار هو ترجمة عسكرية لنظريات الإخضاع الإستراتيجي، حيث يهدف العدو إلى عزل الجنوب لاهوتيًا وجغرافيًا عن عمقه اللبناني، مستغلاً الذرائع العسكرية والمناوشات التحذيرية لتنفيذ هذا المخطط الشيطاني بوتيرة متسارعة.
ثالثاً: حتمية تصاعد المواجهة.. من الواجب الكفائي إلى الواجب العيني
أمام هذا الخطر الوجودي الذي يهدد السيادة والهوية، لم تعد مقاومة الاحتلال ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً، بل هي ضرورة حتمية للبقاء.
فالوضع الراهن في مواجهة العدو (واجب كفائي):
إن الدفاع عن الثغور والقرى الجنوبية تقوم به اليوم ثلة من المقاومين الذين يحملون عبء المواجهة وصون السيادة عن الأمة بأسرها، ونجحوا بضرباتهم في الحد من اندفاعة المخطط التدميري وإرباك حساباتها.
الإستعداد لتحول المواجهة إلى (واجب عيني):
إن طبيعة الأطماع التوراتية لا تقف عند حدود؛ فإذا نجح العدو في فرض واقع مشوَّه جنوب الليطاني، فإن أطماعه ستمتد لتشمل بقية الجغرافيا اللبنانية.
لذا، يفرض الواقع إعداد القوة، والإستعداد التام لإنفلاش المواجهة وتحولها إلى واجب عيني يقع على عاتق كل مُكلَّف قادر على حمل السلاح أو الدعم والمؤازرة، لحماية لبنان من التحلل والزوال.
رابعاً: الإنتحار السياسي ومخاطر الطعن في الظهر
في مقابل هذا الاندفاع الصهيوني المرتكز على أيديولوجيا دينية وعسكرية صلبة، تبدو المراهقة السياسية لبعض أركان السلطة في لبنان أشبه بالإنتحار الذاتي.
فإن إصرار رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، على إطلاق مواقف ورسائل تطعن في شرعية المقاومة، أو تحاول تجريدها من أوراق قوتها في هذا التوقيت الحرج، هو خرق للمركب الذي يجمع اللبنانيين جميعاً، وإغراق متعمد للسفينة وسط الأمواج العاتية.
فإن الذهاب إلى طاولة المفاوضات، والتمسك بالتفاوض المباشر، دون الإستناد إلى "عناصر القوة الميدانية"، هو كمَنْ يذهب إلى رحلة صيد بدون سلاح؛ فلن يعود صائداً، بل سيعود فريسة.
ففي العلاقات الدولية، لا تصنع الدبلوماسية حقاً إذا لم تحمها فوهات البنادق، وصواريخ الردع.
فإن التراجع عن إحتضان المقاومة، في لحظة الخطر الوجودي، هو تجريد للبنان من درعه الأخير، وتقديم الجنوب على طبق من ذهب، للقمة الأطماع التناخية.
وفي المحصلة، فإن المعركة الحالية في جنوب لبنان، ليست صراعًا على بضعة كيلومترات، بل هي صراع بين وجود أصيل متجذر في الأرض، وبين أطماع أسطورية، تُبعثُ من بطون الكتب القديمة لتمارس التطهير العرقي والجغرافي.
إنَّ التلاحم بين الميدان والموقف السياسي الرسمي، هو السبيل الوحيد لكسر هذا المخطط الشيطاني، وإثبات أن أرز لبنان وجنوبه سيبقيان عصيين على الإنكسار أو الإبتلاع.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
28 أيار/مايو 2026
🔍تبصرة: التناخ*= الكتاب المقدس العبري