عبد الحميد كناكري خوجة: نحر في عرفة قربى وإيمان...ونحر في غزة وجنوب لبنان. فأين البوصلة الأخلاقية وأين الوجدان؟
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: نحر في عرفة قربى وإيمان...ونحر في غزة وجنوب لبنان. فأين البوصلة الأخلاقية وأين الوجدان؟

” في فضاء تتقاطع فيه الرموز بالوقائع، وتتماهى فيه المشاعر مع صدى المآسي، ينهض السؤال عن معنى القربان حين يجاوره الدم المسفوك ظلما. بين عرفة بما تحمله من صفاء روحي، وغزة العزة وجنوب الصمود والبطولة والشرف لبنان. بما يثقلانه من وجع إنساني، يتشكل امتحان الضمير في زمن مضطرب القيم والمعاير."

وفي هذا المشهد المتشابك بين القداسة والدم، تفيض الأقلام وينهض العتب ثقيلا على أمة كبرى تستباح أمام ناظريها كرامة الأشقاء الفلسطينيين والجنوبين، وكأن الألم بات خبرا لا يستوقف الوجدان. ترتكب الجرائم على مرأى العالم، تهدم البيوت، وتقصف الأرواح، وتسلب الطفولة حقها في الحياة، فيما يعلو الصمت كجدار من خذلان.

كيف لأمة حملت في تاريخها معنى العدل أن تقف اليوم على هذا المشهد؟ وكيف تتحول القيم إلى شعارات تتلى ولا تترجم؟ إن ما يجري ليس أحداث عابرة، بل جرحا مفتوحا في جسد الإنسانية، يختبر صدق الإنتماء وحرارة الإنتصار المظلوم.

في أرض الرياحين فلسطين، حيث يتكثف الألم حتى يغدو لغة يومية، وفي جنوب لبنان مدرسة البطولة والصدق والإيمان حيث تتكرر مشاهد العدوان، تتعرى ازدواجية المقاييس، ويظهر ميزان القوة بدل ميزان الحق. هناك تقاس الأرواح ببارود السياسة، وتختزل القيم في حسابات المصالح.

والعتب الأكبر ليس فقط على الفعل، بل على السكوت والخرس الذي يوازيه، وعلى التبرير الذي يحمله، وعلى التعايش البارد مع صور لا تحتمل التعايش. فأي ضمير هذا الذي يعتاد المأساة حتى تفقد ألمها؟

إنها لحظة اختبار قاسية، لا تحتاج خطابات بقدر ما تحتاج موقفا، ولا شعارات بقدر ما تحتاج صدقا يعيد للإنسان معناه، وللأمة دورها، وللعدالة صوتها الذي لا يخبو.

وفي ختام هذا المشهد الذي تتداخل فيه القيم مع الجراح، يقف الضمير الإنساني على عتبة حاسمة: إما أن ينحاز للإنسان حيث يظلم، أو يظل أسير ثمن يجمل المأساة ولا يوقفها. إن محبة الحق لا تكتمل إلا بنصرة المظلوم، وإن كرامة الأمة لا تقاس بالشعارات بل بالمواقف التي تترجم الألم إلى مسؤولية.

فليس من العدالة أن تنفق الطاقات في المظاهر وتترك الأرواح تستنزف تحت القصف والجوع والحصار، ولا أن يطبع مع واقع يشرعن الألم ويحول المعاناة إلى خبر عابر. إن الواجب الأخلاقي يفرض أن تتقدم إنسانية الإنسان على كل اعتبار، وأن بصان حق الحياة قبل كل شيء.

وفي ميزان التاريخ، لا يبقى إلا الموقف الصادق: مع الحق حيث يكون، مع الإنسان الذي ينتزع منه حقه، ومع العدالة حين تختبر. فلتبقى الكرامة معيارا، وليبق الحس الأخلاقي شاهدا، ولتظل الإنسانية أوسع من كل انقسام، وأقوى من كل صوت وجمود.

كاتب دمشقي حر.