اكتشاف أقدم دليل على حرق الموتى في التاريخ
دراسات و أبحاث
اكتشاف أقدم دليل على حرق الموتى في التاريخ
1 حزيران 2026 , 23:08 م

توصل فريق دولي من علماء الآثار إلى أدلة جديدة تشير إلى أن الإنسان العاقل (Homo sapiens) ربما مارس طقوس حرق الموتى قبل نحو 100 ألف عام، وهو ما قد يدفع العلماء إلى إعادة النظر في الجدول الزمني المعروف لتطور الممارسات الجنائزية لدى البشر الأوائل.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) العلمية.

اكتشاف أثري في إثيوبيا

جاء الاكتشاف في منطقة وادي عفار المتصدع في إثيوبيا والتي تُعد من أهم المواقع الأثرية المرتبطة بتاريخ الإنسان المبكر.

وعثر الباحثون على بقايا عظام تعرضت لدرجات حرارة مرتفعة، ما يشير إلى احتمال تعرضها لعملية حرق متعمدة قبل نحو 100 ألف عام.

ويعتقد العلماء أن هذه الأدلة قد تمثل أقدم مؤشر معروف حتى الآن على ممارسة طقوس حرق الموتى في تاريخ البشرية.

عظام محترقة وآثار دفن

لم يقتصر الاكتشاف على العثور على عظام محترقة فقط، بل كشف الموقع أيضًا عن عظام تحمل آثار عضات حيوانات مفترسة، إضافة إلى مؤشرات تدل على عمليات دفن سريعة للجثث.

ويرى الباحثون أن هذا المزيج من الأدلة يجعل تفسير طبيعة الطقوس الجنائزية أكثر تعقيدًا، إذ قد تكون هناك عدة عوامل أثرت في طريقة تعامل المجتمعات البشرية القديمة مع موتاها.

تغيير جذري في السجل التاريخي

قبل هذا الاكتشاف، كان أقدم دليل معروف على وجود بقايا بشرية محترقة في أفريقيا يعود إلى نحو 7500 عام فقط، وتمثل في رفات بشرية تعرضت للحرق جزئيا دون العثور على موقد جنائزي واضح.

كما كان الباحثون يربطون أول الأدلة المؤكدة على حرق الموتى في القارة الأفريقية بمجتمعات رعوية في شرق أفريقيا عاشت قبل نحو 3300 عام.

أما عالميا، فكان أقدم مثال معروف لحرق جثمان بشري بعد الوفاة قد سُجل في منطقة بأستراليا، ويعود تاريخه إلى نحو 40 ألف عام.

وفي حال تأكدت نتائج الدراسة الجديدة، فإنها ستدفع بتاريخ هذه الممارسة إلى الوراء عشرات الآلاف من السنين.

تأثير البيئة والفيضانات

تشير الدراسة إلى أن الظروف البيئية ربما لعبت دورا مهما في حياة المجتمعات البشرية التي عاشت في المنطقة.

ويعتقد الباحثون أن دورات الفيضانات المتكررة لنهر أواش القديم ربما أثرت بشكل مباشر في أنماط الاستقرار والتنقل وطرق التعامل مع الموتى.

كما رجحت الدراسة أن التأثيرات الهيدرولوجية المحلية قد تكون لعبت دورًا أكبر من التغيرات المناخية العالمية في تشكيل سلوك هذه المجتمعات القديمة.

آلاف الأدوات الحجرية تكشف نمط الحياة

استندت النتائج أيضا إلى تحليل عدة آلاف من الأدوات الحجرية المكتشفة في الموقع الأثري.

وأظهرت الأدلة أن مجموعات الإنسان العاقل كانت تعود إلى المنطقة بشكل متكرر لفترات قصيرة، خاصة بعد انحسار مياه الفيضانات.

ويرى العلماء أن هذا السلوك يعكس قدرة عالية على التكيف مع التغيرات البيئية واستغلال الموارد المتاحة في أوقات محددة.

أدلة على تنقلات بعيدة المدى

من بين أبرز المكتشفات أيضا قطع من حجر السبج (الأوبسيديان)، وهو زجاج بركاني يتكون طبيعيا من الحمم البركانية المتصلبة.

وكشفت التحليلات الجيولوجية أن هذه المواد لم تكن محلية المصدر، بل نُقلت من مناطق بعيدة عن موقع الاكتشاف.

ويشير ذلك إلى أن البشر الأوائل كانوا يتحركون لمسافات طويلة، وربما امتلكوا شبكات تواصل وتبادل موارد أكثر تعقيدا مما كان يُعتقد سابقا.

ماذا يعني هذا الاكتشاف؟

يرى الباحثون أن الأدلة الجديدة لا تقدم فقط معلومات عن طقوس الدفن، بل تكشف أيضًا جوانب مهمة من السلوك الاجتماعي والثقافي للإنسان العاقل المبكر.

فإذا تأكد أن العظام المحترقة كانت جزءا من طقوس جنائزية متعمدة، فإن ذلك سيشير إلى أن مفاهيم التعامل مع الموت والرمزية الاجتماعية ظهرت لدى البشر قبل وقت أبكر بكثير مما تشير إليه السجلات الأثرية الحالية.

المصدر: مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences