ترامب لا يخشى على الضاحية… بل على مضيق هرمز !!؟
مقالات
ترامب لا يخشى على الضاحية… بل على مضيق هرمز !!؟
عباس المعلم
2 حزيران 2026 , 19:31 م

الجوهر الفعلي في كلام ترامب حول خفض التصعيد بين لبنان وإسرائيل، وتحييد قصف الضاحية الجنوبية مقابل تحييد استهدافات حزب الله لشمال فلسطين المحتلة، لا يقتصر على أهمية هذا التطور بحدّ ذاته، رغم ما ينطوي عليه من دلالات سياسية وأمنية لافتة. فالأكثر إثارة للانتباه هو الانقلاب السريع الذي شهدته المواقف خلال ساعات معدودة.

ففي الصباح، صدر عن نتنياهو ووزير حربه ما يفيد بإعطاء الجيش الإسرائيلي الضوء الأخضر لقصف الضاحية الجنوبية، وسط حديث رسمي وإعلامي إسرائيلي عن تنسيق مسبق ومعرفة كاملة من الجانب الأميركي بهذا التوجه. لكن المشهد تبدّل بصورة دراماتيكية مع حلول المساء، حين أعلن ترامب تراجع نتنياهو عن تنفيذ الهجوم، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بكشفه عن تبادل اتصالات ورسائل غير مباشرة مع حزب الله عبر وسطاء.

لا شك أن هذه التطورات تشكّل تحولاً سياسياً وأمنياً لا يمكن التقليل من شأنه، ويمكن مقاربته من زوايا متعددة وقراءات مختلفة. إلا أنّ البعد الأكثر أهمية، وربما الأكثر استراتيجية في كلام ترامب، لم يكن متعلقاً بالضاحية أو بحدود الاشتباك في لبنان بقدر ما كان مرتبطاً بما قاله صراحة عن أنّ أسعار النفط العالمية ستنخفض بشكل ملحوظ بعد الامتناع عن قصف الضاحية وخفض مستوى التصعيد بين حزب الله وإسرائيل.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما العلاقة بين المواجهة المحتملة في لبنان وبين أسعار النفط العالمية؟

من الناحية المباشرة، لا يمتلك أيّ من الطرفين تأثيراً حاسماً على سوق الطاقة الدولية. كما أنّ تبادل القصف بين الضاحية الجنوبية وتل أبيب، بحدّ ذاته، لا يشكّل عاملاً كافياً لإحداث هزات كبيرة في أسعار النفط أو إرباكاً مستداماً في أسواق الطاقة العالمية.

لذلك، فإنّ التفسير الأكثر منطقية واتساقاً مع المعطيات يكمن في مكان آخر. فحديث ترامب عن النفط لا يبدو مرتبطاً جغرافياً بالضاحية التي لا تحتوي على آبار نفط، ولا تطل على ممرات بحرية استراتيجية، كما لا يرتبط بشواطئ حيفا أو تل أبيب بحدّ ذاتها، بل يرتبط بما قد يترتب على أي تصعيد واسع ضد لبنان من تداعيات إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية.

وعليه، فإنّ الدلالة الأهم في كلام ترامب توحي بأنّ الإدارة الأميركية تلقّت رسائل واضحة من طهران بشأن احتمال الذهاب إلى خطوات تصعيدية تمسّ أمن الطاقة العالمي، سواء عبر إعادة طرح خيار إغلاق مضيق هرمز بصورة كاملة، أو من خلال توسيع الضغوط على حركة الملاحة في البحر الأحمر بواسطة أنصار الله في اليمن، في حال مضت إسرائيل نحو عدوان واسع يطال الضاحية الجنوبية أو يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أشمل.

في هذا السياق تحديداً يصبح حديث ترامب عن انخفاض أسعار النفط مفهوماً ومنطقياً؛ لأنّ العامل المؤثر ليس الضاحية الجنوبية بحدّ ذاتها، ولا طبيعة الأهداف المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، بل الخشية من انتقال المواجهة إلى عقد الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية التي يمر عبرها جزء أساسي من تجارة النفط العالمية.

ومن هنا، فإنّ الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من كلام ترامب ليست فقط أنّ ضربة إسرائيلية للضاحية قد أُلغيت أو أُرجئت، بل أنّ واشنطن بدت مدركة للكلفة الاقتصادية العالمية التي قد تنجم عن أيّ توسع غير محسوب للحرب، وأنّ ما جرى احتواؤه لم يكن مجرد جولة قصف متبادلة، بل احتمال انزلاق المنطقة بأكملها إلى معادلة تربط الجبهة اللبنانية مباشرة بأمن الطاقة العالمي وأبار النفط وحركة التجارة البحرية الدولية ..

عباس المعلم كاتب سياسي