العراق بعد السلاح: ولادة دولة أم إعادة تموضع النفوذ؟
مقالات
العراق بعد السلاح: ولادة دولة أم إعادة تموضع النفوذ؟
وائل المولى
3 حزيران 2026 , 05:24 ص

في السياسة لا تأتي التحولات الكبرى على هيئة بيانات مقتضبة أو قرارات إدارية عابرة، بل تظهر أولاً في شكل إشارات تبدو صغيرة للوهلة الأولى، قبل أن يتضح لاحقاً أنها كانت بداية لمرحلة جديدة. ومن هذا المنطلق، فإن القرارات المتلاحقة التي صدرت عن عدد من القوى والفصائل العراقية بشأن فك الارتباط بالحشد الشعبي أو دعم مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، تستحق قراءة تتجاوز ظاهرها التنظيمي إلى ما تحمله من دلالات سياسية واستراتيجية عميقة.

فعلى مدى أكثر من عقدين، كان السلاح أحد أهم عناصر النفوذ في العراق. وبعد اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد عام 2014، اكتسبت الفصائل العراقية شرعية شعبية ووطنية كبيرة نتيجة دورها في القتال والدفاع عن المدن العراقية. ومع مرور الوقت تحولت هذه الفصائل إلى قوة سياسية وأمنية مؤثرة تمتلك حضوراً واسعاً داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

غير أن البيئة الإقليمية التي ساعدت على صعود هذه القوى تشهد اليوم تغيرات متسارعة. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة منذ سنوات طويلة. فالحرب في غزة، والتصعيد بين إسرائيل وإيران، والضربات التي استهدفت قوى حليفة لطهران في أكثر من ساحة، إضافة إلى التحولات الجارية في سوريا ولبنان واليمن، كلها مؤشرات على أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة تعاد فيها صياغة موازين القوة والنفوذ.

وفي خضم هذه المتغيرات، يبدو أن بعض القوى العراقية بدأت تقرأ المشهد الجديد بواقعية سياسية. فالمسألة لا تتعلق بالتخلي عن النفوذ بقدر ما تتعلق بالحفاظ عليه ضمن شروط مختلفة. فحين تتغير قواعد اللعبة، يصبح التمسك بالأدوات القديمة مخاطرة قد تؤدي إلى خسائر أكبر من المكاسب المتوقعة.

من هنا يمكن فهم ما يجري اليوم بوصفه عملية إعادة تموضع استراتيجية أكثر منه انسحاباً من المشهد. فالقوى التي بنت حضورها خلال السنوات الماضية تدرك أن المرحلة المقبلة قد تمنح الدولة العراقية دوراً أكبر، وأن النفوذ السياسي والمؤسساتي قد يصبح أكثر أهمية من النفوذ العسكري المباشر. ولذلك فإن الانتقال التدريجي من منطق الفصيل إلى منطق المؤسسة قد يكون محاولة للتأقلم مع واقع إقليمي جديد لا معركة خاسرة يجري الانسحاب منها.

لكن القراءة الأعمق للمشهد تشير أيضاً إلى عامل آخر لا يقل أهمية. فالتراجع النسبي لنفوذ إيران في بعض الساحات الإقليمية، والضغوط الدولية المتزايدة على القوى العسكرية التي خارج إطار الدولة، يدفعان العديد من الحلفاء إلى مراجعة حساباتهم السياسية والأمنية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح إعادة التموضع وسيلة للحفاظ على المكتسبات بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة مع متغيرات يصعب وقفها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية عصر القوى العسكرية ما زال مبكراً. فالتاريخ يعلمنا أن النفوذ لا يختفي فجأة، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة. وقد يكون ما نشهده اليوم انتقالاً من مرحلة السلاح إلى مرحلة السياسة، ومن النفوذ الميداني إلى النفوذ المؤسساتي، دون أن يعني ذلك اختفاء اللاعبين أنفسهم من المشهد.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت بعض الفصائل ستتخلى عن السلاح، بل ما إذا كان العراق سينجح في استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء دولة قوية تحتكر القرار الأمني والسياسي وتعيد صياغة العلاقة بين السلطة والقوة على أسس وطنية مستقرة.

العراق اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تكون هذه الخطوات بداية عودة الدولة إلى مركز المشهد بعد سنوات من التوازنات المعقدة، وإما أن تتحول إلى مجرد إعادة ترتيب للأوراق والعناوين دون مساس بجوهر موازين القوة. وبين هذين الاحتمالين تتحدد ملامح العراق الجديد، كما تتحدد قدرة المنطقة بأسرها على الانتقال من زمن المحاور والصراعات إلى زمن الدول والمؤسسات.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري