كتب: موسى عبّاس
يقولونَ إنَّ التاريخَ يُعيدُ نفسَهُ، وفي لبنانَ، التاريخُ لا يُعيدُ نفسَهُ فحسب، بل يُكرِّرُ خِذلانَهُ للجنوبِ وأهلِهِ. منذُ عامِ 1975، حينَ رَسَمَت ريشةُ الفنانِ في جريدةِ "اللواءِ" ذلكَ الكاريكاتيرَ الذي يُصوِّرُ مواطناً يَستميتُ لجرِّ الدولةِ إلى حمايةِ "كفركلا" مِنَ العدوانِ الصهيونيِّ، لتقابِلَ الدولةُ ذلكَ الطلبَ بـ "كَلَّا.. كَلَّا"، لَم يَتغيَّر سوى الوجوهِ، أمَّا الجوهرُ فقد ظَلَّ ثابتاً: الدولةُ تَقفُ في الضفَّةِ الأخرى، والجنوبُ يُترَكُ وحيداً في مواجهةِ قَدَرِهِ.
اليومَ، ونحنُ نعيشُ فصولاً جديدةً مِن "المسرحيةِ التفاوضيةِ"، لا مجالَ للمواربةِ أو المهادنةِ. إنَّ مَن يتحدثونَ اليومَ عن "الصمودِ" مِن أبناءِ القرى التي حَمَلَت تاريخاً مُلتبِساً ومُرتبطاً بجيوشِ العمالةِ السابقةِ، ليسوا إلا صدىً لنهجٍ تجميليٍّ يُحاوِلُ طمسَ الحقائقِ؛ فبقاءُ هؤلاءِ ليسَ "مقاومةً مدنيةً"، بل هو استمرارٌ لنهجٍ طالما كانَ على النقيضِ مِن نَبضِ الأرضِ المقاومةِ.
إنَّ الحديثَ عن معادلةٍ تَقتصرُ على قصفِ "شمالِ فلسطينَ" فقط إذا استُهدِفَت "الضاحيةُ"، ليسَ مجردَ تكتيكٍ عسكريٍّ، بل هو مَهزلةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ بكلِّ المقاييسِ. إنَّ هذهِ المعادلةَ – إن صَحَّت – تَحمِلُ في طياتِها رسالةً ضِمنيةً للعدوِّ الصهيونيِّ: استبيحوا مُدُنَ الجنوبِ وقُراهُ، واجعلوا مِن البقاعِ ساحةً للتدميرِ، فلن يُعترِضَكُم أحدٌ. أيُّ عارٍ هذا الذي يُختزَلُ فيهِ أمنُ الوطنِ ببقعةٍ جغرافيةٍ دونَ غيرِها؟ نحنُ أهلُ الجنوبِ والبقاعِ، الذين نَدفعُ ضريبةَ الدمِ في كُلِّ يومٍ، نرفضُ هذهِ المعادلةَ رفضاً قاطعاً ومُطلقاً، أيّاً كانت الجهةُ التي تَبنَّتها. سُكّانُ الضاحيةِ هم أبناؤنا، فَتَبّاً لكلِّ مَن سَوَّلَت لَهُ نفسُهُ أن يَجعلَ مِن دَمِنا وجغرافيتنا ورقةَ مساومةٍ.
لقد طَفَحَ الكيلُ مِن "تدويرِ الزوايا" ومِن محاولاتِ التوفيقِ المستحيلةِ بينَ نهجِ المقاومةِ ونهجِ التنازلاتِ السياسيةِ. إنَّ المفاوضاتِ التي تُدارُ اليومَ ليست في جوهرِها سوى "غدرٍ ونذالةٍ". التاريخُ لا يَرحمُ؛ وسيُسجِّلُ يوماً أنَّ "إميل لحود" و"سليم الحص" وَقفا في وجهِ التيارِ وحَفِظا الكرامةَ، بينما سيُطوى تاريخُ مَن باعوا كرامةَ الوطنِ في مَكَبّاتِ النسيانِ، تماماً كما ذُكِرَ "الجنرال بيتان" في فرنسا كرمزٍ للخيانةِ الأبديةِ.
لقد امتهنّا الحفاظَ على الكرامةِ، وشلالُ دمائِنا لَم يَتوقف منذُ زُرِعَ هذا الكيانُ الغاصبُ على حدودِنا. لقد تعوَّدنا على مشهدِ تدميرِ بيوتِنا، وحرقِ حقولِنا، وضياعِ جَنى العُمرِ، ورغماً عن ذلكَ، لَم نَنحنِ، بل نعودُ دائماً مِن الرمادِ لنبنيَ ونزرعَ. نحنُ مزيجٌ مِن الناسِ، لكننا جميعاً نتشارَكُ صِفةً واحدةً: أنَّ غالبيتَنا العظمى امتهنَت المقاومةَ بكافةِ أشكالِها، ورَفَضَت الطغيانَ والظلمَ والاختلالَ بكلِّ ما أُوتِيَت مِن قوةٍ.
وعلى الرغمِ مِن شَظَفِ العيشِ، وقساوةِ ومرارةِ ما عانيناهُ ونُعانيهِ، سَنبقى معَ المقاومةِ، ثابتينَ كالجبالِ التي نَحتمي بها. سيبقى خيارُنا هو المقاومةَ طالما بَقِيَ الاحتلالُ جاثماً على صُدورِنا، وطالما تَخاذَلَت السلطاتُ عن القيامِ بأبسطِ واجباتِها الوطنيةِ؛ وهو الدفاعُ عن هذهِ الأرضِ.
إنَّ الجبهةَ اليومَ لا تُدارُ بإيقاعِ رغباتِ الجمهورِ أو بتطلعاتِ "صديقِ ترامب" ومَن يواليهِ. الجبهةُ يَحكُمُها الميدانُ، والميدانُ لا يَعتَرِفُ إلا بالرجالِ الذينَ يَقبِضونَ على الزنادِ. سيكتُبُ ختامَ الحكايةِ أولئكُ الأشاوسُ؛ سادةُ الشرفِ، لا الأنذالُ الذينَ ظَنّوا أنَّ السياسةَ يُمكِنُ أن تُبنى على أشلاءِ المُخلِصينَ.