”صرخة في وجه الصمت الدولي؛ فحين يختلط دخان الحرب بأنين الأبرياء في غزة العزة والجنوب اللبناني أرض الشموخ والشهامة والكبرياء، ينهض السؤال الأخلاقي و الإنساني عن مسؤولية العالم أمام المأساة، وعن العدالة الغائبة، وضرورة المساءلة واحترام القانون الدولي، وحماية المدنيين من ويلات العدوان والحروب."
في زمن تتقاطع فيه الجيوسياسة مع المأساة الإنسانية، وتتزاحم فيه المصالح على حساب المبادئ، يبرز سؤال ثقيل بوزن الضمير ذاته: كيف يسيل هذا القدر من الدم، ثم يتراجع السؤال إلى الهامش؟ وكيف تتحول صور الأطفال والنساء والبيوت المهدمة إلى مشاهد اعتيادية في عالم يرفع شعارات الحقوق والعدالة؟ إن ما يجري في غزة العزة والجنوب اللبناني الشامخ لا يختبر قدرات الشعوب على الصمود فحسب، بل يختبر كذلك صدقية المنظومة الأخلاقية الدولية، ويكشف الهوة بين الخطاب الإنساني والممارسة السياسية، وبين الادعاء القيمي والواقع العملي.
إن المشهد الراهن المؤلم يفرض قراءة تتجاوز ظاهر الحدث إلى عمقه الفلسفي والسياسي؛ فحين تتكاثر المآسي وتتوالى صور المعاناة، لا يعود السؤال متعلقا بالحرب وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي ذاته، وبمدى التزامه بالمبادئ التي يرفعها في المحافل والمنابر. وهنا تتجلى مفارقة صارخة بين خطاب العدالة وواقع الانتقائية، وبين لغة الحقوق وموازين المصالح.
وفي قلب هذه العاصفة، يبرز الصمود الفلسطيني في غزانا والصمود اللبناني في جنوبنا المشرف، بوصفهما تعبيرا عن إرادة إنسانية ترفض الاستسلام مهما اشتدت المحن. فليست البطولة في حب الحرب بل في القدرة على الثبات حين تفرض الظروف أقسى امتحاناتها. ومن هنا يستحق كل من يدافع عن أرضه وأهله ومجتمعه، ضمن ما يقره القانون الدولي وحق الشعوب في الأمن والكرامة، التقدير والاحترام، كما تستحق الأسر الصابرة، والطواقم الطبية والإغاثية والإعلامية، كل إجلال لما تبذله من تضحيات في مواجهة الأخطار.
أما عن المستوى العربي، فإن الفجوة بين تطلعات الشعوب وبعض المواقف الرسمية تفتح بابا واسعا للتساؤل والنقد. فالأمة التي جمعتها اللغة والتاريخ والثقافة والمصير لا يليق بها أن تتعامل مع المآسي الكبرى بمنطق الترقب البارد أو الاكتفاء بالبيانات. إن التضامن ليس ترفا سياسيا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية وحضارية.
ولذلك تأتي كلماتي تلاحما ومؤازرة ونصرة معنوية للأشقاء في غزة العزة وجنوب لبنان الأشم، وإيمانا بأن الكلمة الصادقة، وإن لم توقف قذيفة، فإنها توقف تردي الضمير، وتحفظ الحقيقة من التزييف، وتصون الذاكرة من النسيان، وتؤكد أن الضمير الحي لا يزال قادرا على مقاومة اللامبالاة
إن الدم الإنساني ليس رقما في نشرات الأخبار، ولا مادة عابرة في سجلات السياسة، بل شهادة حية على مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتقادم. ومن غزة إلى جنوب لبنان، يبقى الأمل معقودا على وعي الشعوب، وعلى انتصار قيم العدالة والكرامة والإنسانية، مهما تعاظمت التحديات وتعقدت الحسابات.
وسيظل الدم المهدور المظلوم شاهدا لا يغيب، وستبقى الحقيقة عصية على الدفن تحت ركام الدعاية، وقد تتأخر العدالة وقد يعلو ضجيج القوة حينا، لكن سنن التاريخ لا تنحاز إلا للحق في نهاية المطاف؛ فإن خفت أصوات المنابر، فلن تخفت شهادة الضمائر، وإن تثاقلت موازين السياسة، فلن تتعثر موازين الحقيقة، { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون}. و{ قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}، و{سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}؛ فالتاريخ قد يطول صمته لكنه لا يفقد ذاكرته، والحق قد يحاصر، لكنه لا ولن يموت.
كاتب دمشقي حر.