كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في الولايات المتحدة عن آلية غير متوقعة تسمح لبعض الخلايا السرطانية بمواصلة الانقسام والتكاثر دون توقف. ويُعد هذا الاكتشاف تحولا مهما في فهم استقرار الجينوم، بعدما تبين أن الأورام العدوانية تستغل تفاعلا غير مألوف بين أجزاء مختلفة من الكروموسومات للحفاظ على بقائها ونموها المستمر.
تفاعل غير معتاد داخل الكروموسومات

في الخلايا السليمة، تبقى نهايات الكروموسومات المعروفة باسم "التيلوميرات" منفصلة تماما عن المناطق المركزية المسماة "السنتروميرات"، إذ يُعد هذا الفصل ضروريا للحفاظ على استقرار المادة الوراثية وسلامة الشفرة الجينية.
لكن الدراسة المنشورة في مجلة Nature أظهرت أن بعض الأورام السرطانية العدوانية تكسر هذه القاعدة الأساسية، حيث تنقل أجزاء من الحمض النووي الموجودة في السنتروميرات إلى التيلوميرات، مما يساعد الخلايا السرطانية على تجاوز آليات الشيخوخة الطبيعية والاستمرار في الانقسام.
التركيز على أورام ALT+
ركز الباحثون من جامعة بيتسبرغ الأمريكية على دراسة الأورام الإيجابية لآلية الإطالة البديلة للتيلوميرات، والمعروفة باسم ALT+. وتمثل هذه الأورام ما بين 5% و10% من جميع أنواع السرطان، وتشمل بعض أخطر سرطانات الدماغ لدى الأطفال إضافة إلى الورم الأرومي العصبي.
وعلى عكس معظم الخلايا السرطانية التي تعتمد على إنزيم التيلوميراز للحفاظ على التيلوميرات، تستخدم هذه الأورام آلية بديلة تُعرف باسم ALT، والتي تحمي نهايات الكروموسومات من التآكل والتلف. وظل العلماء لفترة طويلة يجهلون التغيرات البنيوية التي تؤدي إلى تنشيط هذه الآلية.
اكتشاف سلاسل هجينة من الحمض النووي
باستخدام تقنيات متقدمة في التصوير والتسلسل الجيني، من بينها تقنية DiMeLo-seq الحديثة، تمكن الباحثون من اكتشاف أن الحمض النووي الخاص بالسنتروميرات يندمج فعليًا داخل بنية التيلوميرات لدى المرضى المصابين بأورام ALT+.
وأدى هذا الاندماج إلى تكوين سلاسل هجينة أو "كيميرية" من الحمض النووي، وهو أمر كان يُعتقد سابقا أنه غير ممكن من الناحية البيولوجية. كما أظهرت النتائج أن هذه العملية ليست مجرد خلل عشوائي في تطور الخلية، بل تمثل تكيفا تطوريا يساعد الورم على تعزيز استقرار جينومه وضمان استمرارية نموه.
دور بروتين ATRX في العملية
أظهرت التجارب أن نجاح انتقال تسلسلات السنتروميرات إلى التيلوميرات يتطلب حدوث تغيرات عميقة على المستوى فوق الجيني.
وتبين أن العامل الرئيسي في هذه العملية هو فقدان بروتين ATRX، وهو بروتين منظم يعمل في الظروف الطبيعية على إبقاء مناطق الكروموسومات المختلفة منفصلة عن بعضها البعض. وعندما أعاد العلماء بشكل تجريبي السيطرة على هذه المناطق، انخفض نشاط آلية ALT بشكل ملحوظ، كما فقدت تيلوميرات الخلايا السرطانية استقرارها بسرعة.
آفاق جديدة للتشخيص والعلاج
يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف متعدد التخصصات قد يفتح المجال أمام تطبيقات سريرية واعدة في مجال مكافحة السرطان.
فقد تصبح البصمة الجزيئية الناتجة عن ارتباط السنتروميرات بالتيلوميرات مؤشرا حيويا عالي الدقة يمكن استخدامه للكشف المبكر عن الأورام العدوانية ومراقبة تطورها لدى المرضى.
وعلى المدى البعيد، قد تساعد هذه النتائج أطباء الأورام على تطوير علاجات موجهة تستهدف تعطيل هذا الارتباط غير المعتاد داخل الكروموسومات، ما قد يحد من قدرة الخلايا السرطانية على الانقسام المستمر والبقاء.