”التعليق بين النقد والتشويه: مقاربة في بنية الخطاب الرقمي المعادي."
لم يعد الفضاء الرقمي مساحة بريئة لتبادل الآراء، بل تحول في كثير من الحالات إلى ساحة تأثير وتوجيه، توظف فيها التعليقات كأداة لتشكيل الانطباع العام حول دول وقضايا بعينها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكيك التعليق، أي تحليل بنيته ودوافعه، بدلا من الاكتفاء بردود فعل سطحية.
تنتشر في بعض المنصات تعليقات هجومية متكررة تستهدف دول كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعتمد تلك التعليقات أسلوب التعميم والانفعال الممنهج بدلا من التحليل، وتقوم على إعادة عبارات جاهزة لا ترتبط بوقائع دقيقة أو قراءة سياسية متوازنة. ويظهر في هذا النمط تركيز واضح على الإساءة أكثر من النقاش، وعلى التشويه المقصود أكثر من الفهم.
وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يعمل على بناء صورة ذهنية سلبية مسبقة، من خلال تكرار نفس الاتهامات بصيغ مختلفة ومتكررة، سواء في الأسلوب أو المفردات، كما قد يوحي بوجود نمط من التنسيق أو التوجيه الرقمي، خاصة عند تناول ملفات إقليمية حساسة.
في المقابل عند قراءة المشهد السياسي بصورة أوسع، نجد أن إيران ومنذ عام 1979 تبنت خطابا سياسيا معلنا يقوم على رفض الهيمنة الخارجية، والدفاع عن استقلال القرار الوطني، واعتبرت القضية الفلسطينية محورا في سياستها الإقليمية. وقد تجسد ذلك في دعم سياسي وإعلامي ولوجيستي لفصائل فدائية فلسطينية ولبنانية في سياق صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي.
كما سعت إيران خلال العقود الماضية إلى تطوير بنية علمية وتقنية داخلية في مجالات متعددة مثل الطب والهندسة والتقنيات النووية السلمية والبحث العلمي، ما جعلها حاضرة في العديد من المؤشرات العلمية الإقليمية. وبرز الكثير من العلماء الإيرانيين في مجالات الفيزياء، الكيمياء، والطب والصيدلة والهندسة والفلك والجيولوجية_ وهو ما يعكس توجها نحو بناء قدرة معرفية مستقلة نسبيا رغم الضغوط والعقوبات الجائرة.
ومن جهة أخرى، فإن جزءا من الخطاب الرقمي المعادي يتجاهل هذه المعطيات، ويركز فقط على الزاوية السياسية الخلافية، دون الإشارة إلى عناصر القوة أو السياق التاريخي، مما يفضي إلى تكوين صورة أحادية الجانب تخدم غايات دعائية أكثر مما تخدم البحث الموضوعي. وهذا الانتقاء في عرض المعلومات يفقد التعليق قيمته النقدية، ويجعله أقرب إلى الدعاية منه إلى التحليل العقلاني المبني على المنطق والتفكير.
إن أسوأ ما في هذه التعليقات أنها لا تناقش السياسات بقدر ما تستهدف التشويه الرمزي، عبر إعادة إنتاج أحكام جاهزة، وتضخيم نقاط الخلاف، وتجاهل حجم العناصر الإيجابية أو التفسيرية.
وهنا يصبح تفكيك الخطاب التعليقي ذاته ضرورة لفهم خلفياته وآليات اشتغاله ما إذا كان النص رأيا حرا أم جزءا من خطاب موجه.
إن التعليق المغرض لا يواجه بالإنفعال، بل بتحليل بنيته وكشف منطقه الداخلي. فكل خطاب يقوم على التكرار والتعميم والإقصاء يفقد قيمته النقدية، ويتحول إلى أداة تأثير لا إلى أداة فهم.
ومع هذا التفكيك، يمكن إعادة النقاش إلى مساره الصحيح القائم على الفكرة لا على التشويه، وعلى التحليل لا على التحريض.
كاتب سوري حر وفنان وطني شامل.