”إذا استهدف الوعي بالتضليل، واستنزفت العقول بالاستقطاب، فإن الحوار الرشيد، والاعتصام بالمشتركات، والتلاحم بين أبناء الأمة، يظلون السور الحضاري الذي تتحطم عليه رهانات الانقسام، وتسقط أمامه مشاريع الشقاق والتنازع."
ليست الحضارات بنت الصراع، ولا الأمم وليدة الاحتراب، وإنما تشيد صروحها بالعقول الراجحة، وتصان أركانها بالحكمة، وتزهر ميادينها بالتعارف والتسامح. وما أشد حاجة أمة التوحيد اليوم إلى يقظة فكرية، وبصيرة معرفية، تميز بين الاختلاف المشروع والخلاف المصنوع، وبين التنوع الذي يثري المجتمعات، وبين الخلاف حين ينقل إلى فضاء السياسة أو الإعلام، فيتحول إلى أداة جيوسياسية، ومقاربة دعائية، ومنظومة سيبرانية، تستهدف النسيج المجتمعي قبل أي شيء آخر، فتضعف الثقة، وتربك الأولويات، وتبدد الطاقات.
إن المشترك الجامع بين أهل السنة ومسلمي شيعة آل بيت رسول الله، أوسع من مواطن التباين، وأرسخ من محاولات التأليب، فالجميع يلتقون عند كتاب الله، ومحبة رسوله وآل بيته وتعظيم القيم الإسلامية التي تدعو إلى الانصاف وتحقيق العدالة وعدم خسران الميزان، والرحمة، والاحسان، وصيانة الدماء، وحفظ الكرامة الإنسانية. والاختلاف الفقهي، متى أدير بعقلانية واتزان، تبقى رحمة وسعة للإجتهاد، أما إذا ألبس ثوب العصبية، انقلب إلى خصومة ترهق المجتمعات وتبدد طاقاتها.
ولقد عرف عن الشهيد فقيد أمتنا الإسلامية السيد علي خامنئي ”ق" في مناسبات كثيرة دعواته إلى وحدة صفوف المسلمين، والتقريب بين المذاهب، وتشجيع الحوار الهادئ، والنقاش الحضاري البناء، والتأكيد على أن الاحترام المتبادل، وصيانة المقدسات، والابتعاد عن خطاب الإساءة، تمثل جميعها ركائز أساسية في تعزيز الأخوة الإسلامية. وهي دعوات تنسجم مع قول الحق سبحانه وتعالى؛ { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، وقوله أيضا: {إنما المؤمنون إخوة}.
وفي هذا السياق، شهدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر مؤسساتها ومبادراتها المختلفة، استضافة لقاءات ومؤتمرات تناولت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية وتعزيز الحوار بين العلماء والمفكرين من مدارس متعددة. وتعد هذه المبادرات، إسهاما في ترسيخ ثقافة التفاهم، بينما يختلف البعض في تقييمها. ويبقى المبدأ الجامع، هو أن كل جهد صادق يهدف إلى إطفاء أسباب الفتنة، وتعزيز الاحترام المتبادل، وتقوية أواصر الأخوة بين أبناء الدين الواحد، يستحق الدراسة والحوار الموضوعي. ومن منظور إبستمولوجي سوسيولوجي وهيرمينوطيقي، فإن أخطر أدوات تمزيق المجتمعات لا تبدأ بالسلاح، وإنما بخطاب الكراهية، وتلفيق الروايات، وتضخيم الهوامش، وتغييب الحقائق، واستبدال البرهان بالانفعال، واليقين بالشائعة، والحكمة بالاندفاع. وقد أثبتت تجارب التاريخ أن الانقسامات الداخلية كثيرا ما تستغل من قبل أطراف خارجية تسعى إلى توسيع نفوذها أو تحقيق مصالحها، ولذلك فإن بناء الثقة بين أبناء المجتمع يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لاستثمار الفرقة. وهذا ما يريده لنا عدو أمتنا الإسلامية، تفريقنا وتمزيقنا وتشتيتنا.
إن قوة الأمم لا تقاس بما تملكه من عدة وعتاد فحسب، وإنما بما تتحلى به من تماسك وتكافل، وما تترجمه من وعي وتبصر. فلنجعل من الحوار ثقافة، ومن الاحترام خلقا، ومن الإنصاف منهجا، ومن التآلف رسالة، ولنتذكر أن الاختلاف لا يفسد الأخوة، وأن التنوع لا ينقص الوحدة، وأن المستقبل لا يكتبه دعاة الفرقة، بل يصنعه أهل الحكمة، ورواد الإصلاح، وحملة الكلمة الصادقة. وإذا كان للفتنة دعاة، فإن للوئام رجالا، وإذا كان للانقسام أشباه رجال، فإن للاعتصام بالله أنصار أوفى وأبقى أثرا، { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} { والله يدعو إلى دار السلام}.
كاتب دمشقي حر.