توصل باحثون ألمان إلى نتائج جديدة قد تسهم في فهم إحدى أكثر القضايا تعقيدا في علم الأعصاب، وهي كيفية نشوء الوعي البشري داخل الدماغ.
وأظهرت الدراسة وجود نشاط عصبي مميز داخل منطقة المهاد (الثالاموس)، يرتبط بشكل مباشر بحالات الوعي والإدراك، ما دفع بعض الباحثين إلى وصفه بأنه يشبه "مفتاح تشغيل" الوعي، رغم أن العلماء يؤكدون أنهم لم يكتشفوا الوعي نفسه أو ما يُعرف فلسفيا بـ"الروح".
سؤال حيّر العلماء لعقود
لطالما حاول علماء الأعصاب فهم الكيفية التي يدرك بها الإنسان ذاته والعالم المحيط به.
فعلى الرغم من أن كل شخص يشعر بوضوح بأنه يمتلك وعيا ذاتيا وإدراكا لتجاربه ومشاعره، فإن تحديد الموقع أو الآلية العصبية المسؤولة عن هذا الإحساس ظل تحديا علميا كبيرا.
الدراسة بدأت أثناء علاج مرضى الصرع
أُجريت الدراسة بقيادة الباحثين توبياس شتاوديغل وإليزابيث كاوفمان من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ.
ولم يكن الهدف الأساسي للدراسة البحث عن الوعي، بل مراقبة النشاط الدماغي لدى مرضى الصرع الذين خضعوا لزرع أقطاب كهربائية دقيقة داخل الدماغ في إطار علاجهم.
وقد وُضعت الأقطاب داخل المهاد، وهو أحد أهم المراكز العصبية المسؤولة عن نقل المعلومات الحسية بين أعضاء الجسم والقشرة الدماغية.
ما هو المهاد؟
يُعرف المهاد بأنه محطة رئيسية لمعالجة وتوزيع المعلومات داخل الدماغ.
فمعظم الإشارات القادمة من الحواس المختلفة تمر عبره قبل وصولها إلى القشرة المخية، حيث يتم تفسيرها وإدراكها.
ولسنوات طويلة اعتقد بعض العلماء أن المهاد يلعب دورا مهما في الانتقال بين حالات اليقظة والنوم، لكن طبيعة هذا الدور لم تكن واضحة بالكامل.
اكتشاف نمطين مختلفين من النشاط العصبي
خلال مراقبة المرضى قبل تشغيل أجهزة التحفيز الدماغي، سجل الباحثون النشاط الكهربائي للمهاد أثناء حالات اليقظة والنوم.
وأظهرت النتائج وجود نمطين رئيسيين من التذبذبات العصبية:
النشاط السريع أثناء الوعي
رُصدت موجات دماغية سريعة تتراوح بين 19 و45 هرتز عندما كان الأشخاص مستيقظين أو خلال مرحلة النوم الحالم المعروفة باسم نوم حركة العين السريعة (REM).
ويشير ذلك إلى أن الدماغ يتعامل مع الحالتين باعتبارهما حالتين تتضمنان مستوى من الوعي والإدراك للتجارب أو الصور الذهنية.
النشاط البطيء أثناء فقدان الوعي
في المقابل، ظهرت موجات أبطأ تتراوح بين 11 و17 هرتز خلال مراحل النوم العميق الخالية من الأحلام.
وفي هذه الحالة ينخفض مستوى الوعي بشكل ملحوظ، رغم استمرار عمل الدماغ والوظائف الحيوية الأخرى.
هل اكتشف العلماء "مفتاح الوعي"؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن المهاد قد يحتوي على آلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتشغيل الوعي وإيقافه.
ولهذا السبب وصف بعض الباحثين هذه المنطقة بأنها تشبه "المصباح" أو "المفتاح" الذي يضيء عندما يكون الإنسان واعيا ومدركا لذاته ومحيطه.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن ما تم اكتشافه ليس الوعي ذاته، بل نمطا عصبيا يرتبط بحالات الوعي المختلفة.
تطبيقات طبية واعدة
قد تفتح هذه النتائج آفاقا جديدة أمام الأطباء لفهم اضطرابات الوعي بشكل أفضل.
ومن بين التطبيقات المحتملة:
تقييم مستوى الوعي لدى مرضى الغيبوبة.
دراسة حالات الحالة الإنباتية طويلة الأمد.
تحسين تشخيص إصابات الدماغ الشديدة.
تطوير أساليب علاجية تعتمد على تحفيز المهاد.
ويأمل الباحثون أن تساعد هذه المعرفة مستقبلًا في إعادة تنشيط بعض أشكال الوعي لدى المرضى الذين فقدوا القدرة على التواصل مع محيطهم.
أسئلة لا تزال بلا إجابة
رغم أهمية الاكتشاف، لا تزال هناك تساؤلات جوهرية لم تُحسم بعد.
فالباحثون لا يعرفون ما إذا كانت التذبذبات العصبية المكتشفة داخل المهاد هي السبب المباشر لظهور الوعي، أم أنها مجرد نتيجة لعمليات أعمق تحدث في أجزاء أخرى من الدماغ.
كما أن الدراسة أُجريت على مرضى يعانون من الصرع، ما يعني أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث للتأكد من إمكانية تعميم النتائج على جميع البشر.
خطوة جديدة لفهم أحد أكبر ألغاز الدماغ
يصف العلماء هذه النتائج بأنها من أقوى الأدلة المباشرة حتى الآن على وجود فروق عصبية واضحة بين حالات الوعي وفقدانه داخل بنية دماغية محددة.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلا لفهم طبيعة الوعي بالكامل، فإن الدراسة تقدم دليلًا جديدًا على أن المهاد، الواقع في عمق الدماغ بين جذع الدماغ والقشرة المخية، قد يكون أحد أهم المفاتيح لفك لغز الإدراك البشري الذي حيّر العلماء والفلاسفة لقرون طويلة.