تُشير القراءة المتأنية لبنود "مذكرة تفاهم إسلام آباد" المسرّبة بين إيران والولايات المتحدة إلى أنها لا تمثل نهاية للصراع التاريخي، بقدر ما هي "استراحة محارب" مقننة وضبط لإيقاع المواجهة؛ فالاتفاق في جوهره يمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع، مستخدماً لغة الصفقات المرحلية لتأجيل انفجار "المعركة الكبرى" التي يبدو صدامها الحتمي مؤجلاً لا ملغياً.
ويتضح هذا الفخ الجيوسياسي عند تفكيك أبعاد المذكرة وسياقاتها على النحو التالي:
1. تجميد عسكري متحفز.. بلا تفكيك لأدوات القوة
ينص البند الأول على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان.
لكن الخديعة النقدية هنا تكمن في أن النص يفرض هدنة مؤقتة تحت مسمى "الإنهاء الدائم"، دون التطرق للحديث عن البنية التحتية العسكرية أو الترسانة الصاروخية لفصائل المقاومة الحليفة لإيران (كالحزب، والحشد، والحوثيين، وحماس).
(وهذا نجاح للقوة إيرانية حصدته نتيجة التزامها الاخلاقي)
ولكن تاريخياً، الصراعات التي تنتهي بوقف إطلاق نار دون معالجة جذور التسليح وأسباب النزاع الفكرية والجيوسياسية، ( وهنا اقصد الإحتلال الإسرائيلي الغاصب ) تتحول تلقائياً إلى فترة إعادة بناء وترميم للقدرات العسكرية استعداداً لجولات أعنف.
2. جبهة لبنان.. الهدوء الهش وترميم الردع
بناءً على هذا التجميد، لا يمثل وقف العمليات العسكرية في لبنان تسوية نهائية بقدر ما هو "إعادة تموضع تكتيكي"؛
فعدم قدرة أميركا واسرائيل المساس بترسانة الحزب يُبقي الجبهة اللبنانية برميل بارود جاهز للانفجار.
هذه الهدنة تمنح الساحة اللبنانية فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء ما دمرته الآلة العسكرية، لكنها في العمق تحوّل الجنوب إلى خط تماس متحفز؛ حيث يدرك الحزب أن المعركة الكبرى قادمة، وأن الستين يوماً هي مهلة لترميم منظومات الردع والاتصال والدفاع الجوي استعداداً للمواجهة الشاملة المؤجلة.
وفي هذا السياق، قد يتضح خلال هذه الفترة دور الجولاني كرأس حربة لخدمة المصالح الإسرائيلية؛ عبر فتح جبهة استنزاف وتطويق عسكري واستخباري للحزب من خاصرته السورية، مما يمنع الحزب من التقاط أنفاسه بالكامل ويحرمه من عمقه الاستراتيجي قبل اندلاع المواجهة الكبرى.
3. المقايضة البراغماتية: الأمن مقابل المال المؤقت
يقدم الاتفاق لإيران شريان حياة اقتصادي ضخم عبر رفع الحصار، والإعفاءات النفطية، والوصول لأصول مجمدة مع خطة مستقبلية مشروطة بـ 300 مليار دولار، مقابل تنازلات أمنية وملاحية فورية تشمل فتح مضيق هرمز وفك الحصار البحري.
هذه المقايضة (الأمن مقابل السيولة) لا تعني إنهاء الخصومة الأيديولوجية؛ بل هي تبريد مؤقت يمنح طهران فرصة لإنعاش اقتصادها وتحمل تبعات الحرب القادمة، بينما تشتري واشنطن تهدئة مؤقتة للجبهات مع إبقاء وضع الاستنفار العسكري لكلا الطرفين على ما هو عليه.
4. فخ الستين يوماً وضبابية الانسحاب الأمريكي
يربط الاتفاق استمرار الهدنة بمهلة 60 يوماً للتفاوض على الاتفاق النهائي، كما يربط سحب القوات الأمريكية بمرور 30 يوماً بعد هذا الاتفاق الشامل. هذا التأطير الزمني يعكس إدراك الطرفين بأن الخلافات الجوهرية أعقد من أن تُحل سريعاً.
حتى إعفاء النفط الإيراني لمدة ستين يوماً يبدو في عمقه خطوة غربية استباقية لإعادة ملء الخزانات الأوروبية والآسيوية الفارغة ( خصوصاً مع بدء الشتاء القادم ) ريثما تبدأ المعركة الكبرى، مما يعني أن أدوات الردع المتبادل لا تزال قيد التشغيل ولم يتم تفكيك المسرح العسكري.
5. مواقف القوى الإقليمية.. ترقّب حذر وتحالفات تحت الطاولة خلف كواليس المذكرة، تقف القوى الإقليمية على طرفي نقيض في قراءة هذه التهدئة المؤقتة:
الكيان الإسرائيلي : ينظر بريبة شديدة لهذه المذكرة، وترى في السيولة المالية الممنوحة لإيران وبقاء سلاح فصائل المقاومة خطراً مستداماً؛
لذا قد يسعى لتخريب الهدنة عبر عمليات أمنية خاطفة لمنع طهران من استغلال مهلة الـ 60 يوماً في تطوير قدراتها الردعية.
دول الخليج العربي: تتبنى موقفاً براغماتياً حذراً؛ فبينما ترحب بفتح مضيق هرمز وفك الحصار البحري لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، إلا أنها تدرك أن الضخ المالي لإيران دون تفكيك نفوذها الإقليمي يعني أن التهديد لم ينتهِ، بل أُعطي شريان حياة اقتصادي بانتظار العاصفة القادمة.
الخلاصة : الهدوء الذي يسبق العاصفة
إن "مذكرة إسلام آباد" لم تحل معضلات الصراع، بل أعادت صياغة قواعد الاشتباك كـ "هدنة تقنية متحفزة".
الأطراف لم تصنع سلاماً، بل اشترت وقتاً بانتظار ظروف إقليمية ودولية أفضل لخوض المواجهة الحتمية؛ فهي لم تنهِ الحرب، بل أجلت "المعركة الكبرى" إلى موعد آخر تكون فيه المحاور أعلى قدرة على تحمل الكلفة العسكرية والاقتصادية.
ختاما... نحن أمام أحدى نتيجتين
بحال تثبيت المذكرة بوقف دائم
هذا يعني إعلان إيران سيدة المنطقة لمئة عام قادمة
او عودة الحرب وبعدها ستفهم أميركا أن لا شرق أوسط آمن بلا إيران وبالتالي ستعود لتعلن أن إيران سيدة المنطقة
ونكرر كلمة سماحة العشق
الإنتصار ليس احتمالاً عندنا
حتماً سننتصر
#محمود_موالدي