توصل باحثون في الدنمارك إلى اكتشاف آلية جديدة قد تساهم في التخلص من واحدة من أخطر فئات الملوثات الكيميائية المعروفة باسم " المواد الكيميائية الأبدية " أو مركبات PFAS، وذلك من خلال استخدام الأشعة فوق البنفسجية وجذور الهيدروجين النشطة.
ويُعد هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو تطوير تقنيات أكثر فعالية لمعالجة المياه والتربة الملوثة بهذه المواد التي تشكل تحديًا بيئيًا عالميًا بسبب قدرتها العالية على مقاومة التحلل.
ما هي المواد الكيميائية الأبدية؟
تشمل مركبات البيرفلورو ألكيل والبولي فلورو ألكيل (PFAS) مجموعة واسعة من المواد الصناعية الاصطناعية المستخدمة منذ عقود في العديد من المنتجات، مثل:
الملابس المقاومة للماء.
مواد التغليف والتعبئة.
أواني الطهي غير اللاصقة.
بعض المنتجات الصناعية والاستهلاكية المتخصصة.
وتتميز هذه المركبات بوجود روابط كيميائية قوية جدا بين ذرات الكربون والفلور، ما يجعلها شديدة المقاومة للتحلل الطبيعي في البيئة.
تراكم طويل الأمد في البيئة
بسبب ثباتها الكيميائي الاستثنائي، تتراكم مركبات PFAS على مدى سنوات طويلة في:
المسطحات المائية.
التربة.
الكائنات الحية.
السلسلة الغذائية.
ولهذا السبب أطلق عليها العلماء اسم "المواد الكيميائية الأبدية"، نظرًا لقدرتها على البقاء في البيئة لعقود دون أن تتحلل بصورة طبيعية.
نقطة ضعف غير متوقعة
اكتشف علماء من جامعة آرهوس نقطة ضعف مهمة في هذه المركبات العنيدة.
وأظهرت الدراسة المنشورة في Environmental Science أن تعريض المياه لأشعة فوق بنفسجية عالية الشدة يؤدي إلى توليد جذور هيدروجينية شديدة التفاعل مباشرة من جزيئات الماء.
وتتميز هذه الجذور بقدرتها على مهاجمة جزيئات PFAS دون الحاجة إلى إضافة مواد كيميائية أخرى، ما يجعل العملية أكثر بساطة وأقل تأثيرًا على البيئة.
كيف تتم عملية التدمير؟
أوضحت نتائج الدراسة أن جذور الهيدروجين تبدأ تدريجيًا في انتزاع ذرات الفلور المرتبطة بالهيكل الكربوني للمركبات.
ومع استمرار هذه العملية:
تتكسر الروابط الكيميائية القوية.
تتحلل السلاسل الجزيئية الطويلة.
تتحول المركبات المعقدة إلى أجزاء أصغر وأقل خطورة.
يتم تقليل الأثر البيئي لهذه المواد بشكل كبير.
وأشار الباحثون إلى أن أعلى كفاءة للتحلل تحققت عند استخدام أشعة فوق بنفسجية بطول موجي أقل من 300 نانومتر.
لماذا يعد هذا الاكتشاف مهما؟
تعتمد معظم تقنيات معالجة المياه الحالية على إزالة مركبات PFAS من المياه عبر الترشيح أو الاحتجاز، لكنها لا تدمرها فعليا، ما يعني أن المشكلة تنتقل من مكان إلى آخر دون القضاء عليها نهائيا.
أما النهج الجديد فيسعى إلى تفكيك البنية الجزيئية لهذه المركبات بشكل كامل، وهو ما يمثل خطوة أساسية نحو التخلص الحقيقي من التلوث.
الطريق نحو تطبيقات عملية
رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن العملية لا تزال بطيئة نسبيًا وتحتاج إلى مزيد من التطوير لتحسين كفاءتها وتقليل تكلفتها التشغيلية.
ومع ذلك، فإن تحديد جذور الهيدروجين باعتبارها العامل الرئيسي في تدمير مركبات PFAS يمنح المهندسين أساسا علميا جديدا لتطوير أنظمة معالجة قابلة للتطبيق على نطاق واسع.
ويتوقع الخبراء أن يساهم هذا الاكتشاف مستقبلاً في تصميم محطات تنقية مياه أكثر قدرة على إزالة الملوثات الكيميائية المستعصية، ما يعزز حماية الموارد المائية والصحة العامة.
آفاق مستقبلية
يرى العلماء أن فهم الآلية الدقيقة لتفكيك المواد الكيميائية الأبدية قد يسرع تطوير حلول مستدامة لمعالجة التلوث الصناعي المزمن، خاصة مع تزايد القلق العالمي بشأن انتشار مركبات PFAS وتأثيراتها المحتملة على البيئة والإنسان.