شهدت الولايات المتحدة إنجازاً طبياً غير مسبوق بعد نجاح أول عملية زراعة رئة من متبرع مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) إلى مريض يحمل الفيروس نفسه، بالتزامن مع إجراء عملية زراعة كبد للمريض في اليوم ذاته.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو توسيع فرص الحصول على الأعضاء المنقذة للحياة للمرضى المصابين بفيروس HIV، الذين يواجهون عادة تحديات كبيرة أثناء انتظار المتبرعين المناسبين.
قصة مريض انتظر سنوات
عانى الأمريكي برتراند نيلسون، البالغ من العمر 56 عاماً، من مشكلات صحية معقدة على مدار أكثر من عقدين.
ففي عام 2000، شُخّص بإصابته بفيروس HIV ومرض الساركويد، وهو اضطراب التهابي يمكن أن يؤثر في عدة أعضاء بالجسم. وظلت حالته مستقرة لفترة طويلة قبل أن يصاب عام 2021 بمرض "داء الفيالقة" (Legionnaires' Disease)، ما تسبب في أضرار شديدة لرئتيه وكبده.
ومع تدهور حالته الصحية بحلول عام 2024، أصبح يعتمد بشكل دائم على أجهزة الأكسجين، ما دفع الأطباء إلى دراسة إمكانية إجراء عملية زراعة مزدوجة تنقذ حياته.
إنجاز طبي تاريخي
في 21 مارس 2026، نجح فريق جراحي في تنفيذ أول عملية موثقة عالمياً لزراعة رئة من متبرع مصاب بفيروس HIV إلى مريض مصاب بالفيروس نفسه.
ولم تقتصر العملية على زراعة الرئة فقط، بل حصل المريض أيضاً على كبد جديد خلال الجراحة ذاتها، في عملية معقدة استمرت ساعات طويلة.
وبعد أشهر من الجراحة، أصبح نيلسون قادراً على التنفس بشكل طبيعي من دون الحاجة إلى أجهزة دعم الأكسجين.
قانون غيّر مستقبل زراعة الأعضاء
لسنوات طويلة، كانت الأعضاء المأخوذة من متبرعين مصابين بفيروس HIV تُستبعد تلقائياً من برامج زراعة الأعضاء.
لكن هذا الوضع تغير بعد إقرار قانون "المساواة في سياسات زراعة الأعضاء للمصابين بفيروس HIV" المعروف باسم HOPE Act عام 2013 في الولايات المتحدة.
وأتاح القانون إجراء أبحاث وبرامج تجريبية تسمح باستخدام أعضاء متبرعين مصابين بالفيروس لإنقاذ حياة مرضى آخرين يحملون الفيروس نفسه.
ومنذ ذلك الحين، أُجريت عمليات ناجحة لزراعة القلب والكلى والكبد ضمن هذه البرامج، إلا أن زراعة الرئة ظلت تمثل تحدياً خاصاً بسبب حساسيتها العالية ومخاطر العدوى المرتبطة بها.
توسيع قاعدة المتبرعين
يرى الأطباء أن هذا الإنجاز قد يسهم في معالجة مشكلة نقص الأعضاء المتاحة للزراعة.
ويعيش في الولايات المتحدة نحو 1.2 مليون شخص مصاب بفيروس HIV، ويتمتع معظمهم اليوم بأعمار متقاربة مع عامة السكان بفضل العلاجات المضادة للفيروسات.
لكن عند إصابتهم بفشل عضوي، غالباً ما يواجهون قوائم انتظار طويلة للحصول على أعضاء مناسبة.
ومن خلال السماح باستخدام أعضاء المتبرعين المصابين بالفيروس لمرضى آخرين يحملونه، يمكن توسيع قاعدة المتبرعين بشكل كبير وزيادة فرص إنقاذ المزيد من الأرواح.
تعافٍ واعد بعد الجراحة
بحسب الفريق الطبي، غادر نيلسون المستشفى وبدأ برنامجاً لإعادة التأهيل البدني.
ويعمل حالياً على استعادة قوته البدنية بعد سنوات من محدودية الحركة الناتجة عن تدهور حالته الصحية.
وأكد الأطباء أن حالته تمثل دليلاً عملياً على إمكانية نجاح هذا النوع من العمليات المعقدة، ما قد يشجع مراكز طبية أخرى على اعتماد البروتوكولات نفسها مستقبلاً.
أهمية الإنجاز للمجتمع الطبي
يعتبر المتخصصون أن العملية تمثل إثباتاً عملياً لإمكانية توسيع نطاق زراعة الأعضاء بين المرضى المصابين بفيروس HIV بشكل آمن وفعال.
كما قد تساعد النتائج على تسريع اعتماد برامج مشابهة في مستشفيات أخرى، بما يساهم في تقليل فترات الانتظار وتحسين فرص الحصول على الأعضاء المناسبة.
ويرى الباحثون أن نجاح هذه العملية قد يشكل نقطة تحول مهمة في مجال زراعة الأعضاء، ويعزز مبدأ المساواة في فرص العلاج للمرضى المصابين بفيروس HIV.
آفاق مستقبلية
يأمل الأطباء أن يؤدي هذا الإنجاز إلى زيادة الوعي بأهمية التبرع بالأعضاء وتوسيع البروتوكولات الطبية الخاصة بالمصابين بفيروس HIV.
ومع استمرار تطور العلاجات وارتفاع معدلات النجاح في عمليات الزراعة، قد يصبح استخدام أعضاء المتبرعين المصابين بالفيروس خياراً علاجياً أكثر انتشاراً خلال السنوات المقبلة، ما يمنح آلاف المرضى فرصاً جديدة للحياة.