عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
بينما كان "العالم الأممي" ودول القرار يمارسون ترف المراقبة والإحصاء لجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية في لبنان، مسجلين في دفاتر "اليونيفيل" أكثر من 15 ألف خرق وجريمة إبادة عمرانية وسكانية في عام واحد دون تحريك ساكن، جاءت الساعات الأربع والعشرون الماضية لتعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في المنطقة بـ"زلزال جيوسياسي" غير مسبوق.
إن المقارنة البسيطة، بين عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة والدول السبع الكبرى، منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 عن لجم الغطرسة الإسرائيلية، وبين الفعالية الفورية للتدخل الإيراني، تفرض حقيقة ملموسة لا يمكن القفز فوقها؛ فالجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت بالدليل القاطع أنها الرقم الصعب في حماية سيادة لبنان ومقاومته وشعبه، حين جعلت جبهة لبنان البند الأول والأساس في اتفاقها مع واشنطن.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الصياغة الدبلوماسية؛ فمع محاولة نتنياهو الإلتفاف على الإتفاق ومواصلة عدوانه الدموي الذي حصد خلال يومين فقط 111 شهيداً و167 جريحاً، جاء الرد الاستراتيجي الحاسم بإغلاق "مضيق هرمز".
هذا "الزر النووي الاقتصادي" وضع مصير الاتفاق الدولي كله في كفة، ودماء اللبنانيين وسيادة لبنان في الكفة المقابلة، مما أجبر العدو على الإذعان الفوري وإصدار قرار بوقف الأعمال العدائية ولكن مع تأكيد عدم الإنسحاب من المواقع المحتلة.
هذا التحول الدراماتيكي، الذي ترافق مع تغيير مفاجئ وبمقدار 180 درجة في موقف الرئيس الأمريكي ترامب من نتنياهو وسلوكه، ويحمل في طياته أبعاداً يصفها مراقبون بأنها "مفاجأة غيبية" قلبت الطاولة على رهان ترامب، نتنياهو، مجلس الأمن و"الدول السبع" التي راقبت طويلاً تدمير 120 قرية، وإحتلال 1300 كلم٢ من أرض، وتهجير إكثر من مليون مواطن بهدف تصفية المقاومة.
اليوم، ومع إنتقال المحادثات إلى جنيف، تبرز محاولات من السلطة التنفيذية اللبنانية للالتفاف على هذه الإنجازات الردعية عبر القبول بـ"مناطق تجريبية" تكرّس بقاء الاحتلال وتمنع عودة الأهالي. وهنا، تصبح العودة إلى "وثيقة الوفاق الوطني" (اتفاق الطائف) ضرورة دستورية ملزمة؛ وتحديداً "الفقرة ثالثاً" التي تنص بوضوح على التالي :
ثالثاً- تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي
استعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي:
أ- العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة.
ب- التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 مارس/آذار 1949م.
ج- اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود.
إن التاريخ القريب في عامي 2000 و 2006، يؤكد أن الهدوء الذي استمر 17 عاماً لم يصنعه حسن نوايا الإحتلال، بل فرضه الانسحاب الإسرائيلي الكامل والمُذِّل وراء الخط الأزرق وتحت وطأة ضربات المقاومين المحقين، الذين هم أبناء هذه الأرض، والذين لا يمكن اقتلاعهم.
إن الحل الوحيد اليوم في جنيف، وواشنطن هو الالتزام الحرفي بالقرار 1701؛ أي الإنسحاب الكامل والفوري دون شروط، عودة الأهالي إلى قراهم المهدمة، إستعادة الأسرى، وإجبار الولايات المتحدة وإسرائيل على تحمل المسؤولية الكاملة عن إعادة الإعمار، كون آلة الدمار التي سوت القرى بالأرض هي طائرات، صواريخ وقنابل أمريكية الصنع بإمتياز وبتنفيذ قوات الإحتلال.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
21 حزيران /يونيو 2026