تكشف المعطيات التي أوردها باراك رافيد، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، حجم التحوّل الذي أصاب المشهد اللبناني مقارنة بما كان قائماً منذ أيلول 2024 وحتى الأشهر الأخيرة. فجوهر الاعتراض الإسرائيلي لا يرتبط بتفصيل تقني أو بند إجرائي داخل التفاهمات الجديدة، بل بحقيقة أكثر عمقاً وإيلاماً بالنسبة لتل أبيب: خسارة الامتيازات التي اعتادت التصرّف على أساسها طوال خمسة عشر شهراً من الحرب والعدوان.
خلال تلك المرحلة، كانت إسرائيل تتعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها فضاءً مفتوحاً للعمل العسكري والأمني؛ تغتال وتستهدف وتقصف وتحتل وتفرض وقائع ميدانية دون أن تواجه قيوداً جدية أو توازنات رادعة. وقد عزّز هذا السلوك اعتقاداً داخل المؤسسة الإسرائيلية، وداخل جزء من خصوم المقاومة في لبنان، بأن حزب الله خرج من المعادلة الاستراتيجية أو بات عاجزاً عن استعادة دوره وتأثيره.
غير أن الوقائع التي أفرزتها المواجهة الأخيرة نسفت جانباً أساسياً من تلك التقديرات. فالمشكلة التي تقلق إسرائيل اليوم ليست وجود تفاهمات جديدة فحسب، بل أن هذه التفاهمات جاءت نتيجة واقع ميداني وسياسي مختلف عمّا كان قائماً قبل أشهر. فبدلاً من الحديث عن آلية هدفها نزع سلاح حزب الله أو توسيع هامش الحركة الإسرائيلية، بات الحديث يدور حول منع الاحتكاك بين إسرائيل وحزب الله وضبط التصعيد بين الطرفين، وهو انتقال يعكس اعترافاً عملياً بوجود طرفين متقابلين يجب إدارة العلاقة بينهما لا فرض الشروط على أحدهما من جانب واحد.
الأكثر دلالة أن إسرائيل نفسها لم تعد جزءاً مباشراً من الإطار السياسي الجديد الذي يُناقش الملف اللبناني، بعدما كانت لاعباً أساسياً في الآلية السابقة. وهذا ما يفسّر جانباً من التوتر والانفعال الذي يظهره نتنياهو حيال هذا المسار، لأنه يرى فيه تراجعاً عن وضعية كانت تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمبادرة والضغط، وانتقالاً إلى مرحلة أكثر تقييداً لحركتها العسكرية والسياسية.
لذلك، فإن جوهر الخيبة الإسرائيلية لا يكمن فقط في مضمون التفاهمات، بل في سقوط الرهان الذي ساد منذ حرب أيلول 2024 والقائم على أن حزب الله انتهى كعامل مؤثر في المعادلة اللبنانية والإقليمية. فبعد خمسة عشر شهراً من العدوان والاغتيالات والضغوط، تجد إسرائيل نفسها أمام واقع مختلف: لم تستطع فرض الشروط التي أرادتها، ولم تنجح في تحويل لبنان إلى ساحة خالية من التوازنات، بل باتت تواجه ترتيبات جديدة تُقاس فيها المصالح والحسابات على أساس وجود قوة ما زالت قادرة على التأثير في مسار الأحداث ومنع العودة إلى مرحلة “حرية الحركة” التي كانت تعتبرها إسرائيل أحد أهم مكاسبها.
ما يزعج تل أبيب اليوم ليس التفاهم بحد ذاته، بل أنه يشكّل دليلاً على أن ميزان القوى الذي اعتقدت أنه حُسم لمصلحتها بعد أيلول 2024 لم يبقَ على حاله، وأن مرحلة العربدة العسكرية المفتوحة بدأت تواجه قيوداً ومعادلات لم تكن إسرائيل تتوقع عودتها بهذه السرعة.
عباس المعلم – كاتب سياسي