زلزال الصدمات النفسية وجنون
مقالات
زلزال الصدمات النفسية وجنون "خصخصة الجيش" يعجلان في زوال الكيان المؤقت"
عدنان علامه
24 حزيران 2026 , 22:52 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

واجه الكيان المؤقت​ منذ منتصف عام 2026، معضلة وجودية تتجاوز كفاءة السلاح وعمق الدعم الغربي؛ إنها معضلة "تآكل الوعي الأمني" وإنهيار الإنسان الصهيوني من الداخل، تحت وطأة أطول حرب إستنزافًا على عدة جبهات كما يروِّج.

يعيش اليوم الكيان "رعبًا صامتًا" يتمثل في موجة عارمة من الصدمات النفسية (PTSD)، وإضطرابات الذهان الخبيثة التي تنهش عقول المستوطنين وجنود جيش الاحتلال على حد سواء، مما أدى إلى تجريدهم من أهم مقومات بقائهم: الشعور بالأمان المستقبلي.

هذا التآكل النفسي الحاد، دفع المنظومة العسكرية إلى حافة الإنتحار عبر طروحات "خصخصة الموت"، في وقت يدفع فيه نتنياهو بعناده الأعمى وخضوعه لليمين المتطرف المنطقة برمتها نحو فوهة بركان متفجِّر لن يسلم منه أحد.

أولاً: النزيف النفسي والبشري.. جيش ينخر فيه العجز والسرقة

​تتقاطع التقارير العسكرية العبرية (من كارميلا ميناشي عبر القناة 11 إلى شلومو ماعوز في معاريف) على أن الجيش يعاني عجزًا ميدانيًا مباشرًا يتراوح بين 12 إلى 15 ألف مقاتل، ونقصاً بـ 300 ضابط فصيل.

لكن الوجه الأخطر لهذا النزيف هو عشرات الآلاف من طلبات الإعاقة النفسية المقدمة لشعبة إعادة التأهيل، والتي تخفيها الرقابة العسكرية خشية إنهيار المعنويات.

هذا الإنهاك النفسي والبدني لجنود الاحتياط (الذين يخدمون 100 يوم سنوياً) دفع القيادة لغض الطرف عن الإنحلال الأخلاقي؛ حيث رُصدت قوات الاحتلال في جنوب لبنان وهي تسرق ممتلكات المواطنين علناً بالسيارات العسكرية، في مشهد يعكس تحول "جيش الشعب" المزعوم إلى ميليشيات مارقة فاقدة للإنضباط والعقيدة.

​ثانياً: "فيلق المرتزقة" مقابل "الجيش المصدوم".. الخطر الوجودي

ف​أمام تمرد 116 ألف شاب من "الحريديم" ورفضهم التجنيد، برزت الأطروحة الصادمة لأكاديميين (أمثال إفرايم عنبار وساسون حداد) لإنشاء "فيلق أجنبي" يستقدم 12 ألف مرتزق محترف برواتب تصل لـ 10 آلاف دولار شهرياً. هذا التحول نحو "خصخصة الموت" يمثل رصاصة الرحمة على الأمن القومي؛ فالمرتزق لا يحمل عقيدة للصمود في حرب إستنزاف طويلة، كما أن تحذيرات الصحافة العبرية (مثل سامي بيريتز) تؤكد أن هؤلاء سيتحولون إلى أدوات للمجازر المنفلتة (على غرار صبرا وشاتيلا)، مما ينهي الشرعية الوجودية للكيان ويعمّق عزلته الدولية.

ويتزامن هذا التفكك مع "النزيف الأبيض" وهجرة العقول الطبية؛ حيث غادر مئات الأطباء النفسيين الكيان بحثاً عن الاستقرار، تاركين جيوشاً من المستوطنين العسكريين المصدومين بلا علاج.

​ثانياً: الأرض المحروقة وخروقات يونيو.. حيلة العاجز المذعور

​انعكس هذا النقص البشري الممزوج بالرعب النفسي من أشباح المقاومة على التكتيكات الإسرائيلية؛ فبسبب العجز عن نشر قوات برية كافية، يعمد الاحتلال في جنوب لبنان إلى سياسة الأرض المحروقة لتفخيخ الأحياء واختزال مساحة المواجهة خشية عمليات الأسر.

وتجلى هذا الذعر الميداني في إصرار نتنياهو على خرق إتفاق وقف إطلاق النار عبر إستمرار تحليق المسيّرات فوق بيروت والضاحية. وشهد يوم الثلاثاء 23 حزيران (يونيو) 2026 ذروة الخروقات باستهداف مدنيين في النبطية الفوقا وقصف سيارة في صيدا، الإستدراج أيران برد إيراني عسكري مباشر حتى تنسف إسرائيل الإتفاق الإيراني الأمريكي وهو في مهده.

​رابعاً: طوق النجاة "الترامبي" وإهانات قمة الـ G7

​في ظل هذا التداعي، جاء الرئيس ترامب لينقذ إسرائيل من إنهيار محتم أمام إيران واليمن. ترامب، المدرك لتآكل الردع الإسرائيلي، فمنع نتنياهو من ضرب إيران متعهداً بمو. جهت‌ها؛ وسار على نهج المواجهة مع اليمن إنتهت بتوقيع معاهدة عدم اعتداء ويسجب أسطولها خارج اليمن؛ وتعهد ترامب بالمواجهة مع إيران ليوفر لنتنياهو مهربًا من حرب إقليمية تكشف عورة جيشه المصدوم.

وتعمقت هذه العزلة بالإهانة غير المسبوقة التي تلقاها نتنياهو في قمة الدول السبع الكبرى (G7)، حيث عومل بجفاء وتهميش دولي أظهر للعالم أنه بات عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا ثقيلًا حتى على حماته الغربيين.

​خامساً: لعنة السبت والحريديم.. غضب المنظومة الدينية

​يتكامل الإنهيار النفسي والعسكري، مع زلزال ديني وسياسي؛ إذ يشن كبار الحاخامات هجومًا عنيفًا على نتنياهو، معتبرين إنكساراته وإهاناته الدولية عقابًا ربانيًا لسببين: أولًا، إصراره المجنون على تجنيد شبان "الحريديم" وإنتهاك حرمتهم الدينية؛

وثانيًا، "لعنة يوم السبت المقدس" الذي انتهك نتنياهو حرمته بشن العدوان ضد إيران، مما جعل اللعنة الدينية والنفسية تطارد القيادة الصهيونية.

#​الخاتمة: نحو فوهة البركان

​إن إصرار نتنياهو على تحدي التفاهمات والخضوع لإبتزاز اليمين المتطرف، بالتوازي مع جيش مأزوم نفسيًا يبحث عن مرتزقة يحمونه، ومجتمع ينهشه الذهان والرعب، هو ضرب من الجنون الاستراتيجي.

فنتنياهو لا يقود كيانه نحو النصر، بل يأخذ المنطقة برمتها إلى فوهة بركان متفجر لن يسلم منه أحد، لتكون ارتدادات هذا التهور بمثابة المسمار الأخير في نعش مشروع إستيطاني ينهار من داخله قبل خارجه.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

24 حزيران/يونيو 2026

Compose:

New Message