جُمْهُورِيَّةُ الصَّالُونَاتِ فِي مُوَاجَهَةِ خَنَادِقِ الشَّرَفِ: مَنْ يَكْتُبُ تَارِيخَ لُبْنَانَ؟
مقالات
جُمْهُورِيَّةُ الصَّالُونَاتِ فِي مُوَاجَهَةِ خَنَادِقِ الشَّرَفِ: مَنْ يَكْتُبُ تَارِيخَ لُبْنَانَ؟
موسى عباس
26 حزيران 2026 , 11:47 ص

كتب : موسى عبّاس

لَمْ تَعُدِ المَسْأَلَةُ مُجَرَّدَ تَبَايُنٍ فِي وُجُهَاتِ النَّظَرِ حَوْلَ آلِيَّاتِ وَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ، بَلْ بَاتَتْ تَعْبِيراً صَارِخاً عَنْ انْفِصَامٍ بُنْيَوِيٍّ تُصَابُ بِهِ السُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ فِي لُبْنَانَ كُلَّمَا وَضَعَتِ الأَقْدَارُ البِلَادَ أَمَامَ مُنْعَطَفٍ تَارِيخِيٍّ. فِي وَقْتٍ يَخُوضُ فِيهِ المَيْدَانُ مُوَاجَهَةً شَرِسَةً لِفَرْضِ مُعَادَلَاتِ الرَّدْعِ، تُصِرُّ النُّخْبَةُ الرَّسْمِيَّةُ عَلَى مُقَارَبَةِ الصِّرَاعِ بِعَقْلِيَّةِ "المُسْتَجْدِي"، مُسْتَسْلِمَةً لِمَنْطِقِ الإِمْلَاءَاتِ وَالشُّرُوطِ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا انْتِزَاعُ مَا عَجَزَ العَدُوُّ عَنْ انْتِزَاعِهِ بِالنَّارِ.

— الهُرُوبُ مِن مِظَلَّةِ الرَّدْعِ الإِقْلِيمِيِّ:

إِنَّ الخَطِيئَةَ الكُبْرَى الَّتِي تَقْتَرِفُهَا هَذِهِ السُّلْطَةُ تَكْمُنُ فِي رَفْضِهَا المُمَنْهَجِ لِلاعْتِرَافِ بِالحَقَائِقِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ المُحِيطَةِ بِهَا. فَفِي حِينِ يَبْدُو وَاضِحاً أَنَّ أَيَّ تَفَاهُمٍ حَقِيقِيٍّ وَقَابِلٍ لِلْحَيَاةِ لِحِمَايَةِ لُبْنَانَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى مُنَاخَاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ وَازِنَةٍ—تَحْدِيداً تِلْكَ الَّتِي تُصَاغُ فِي كَوَالِيسِ التَّفَاهُمَاتِ الإِيرَانِيَّةِ-الأَمِيركِيَّةِ كَضَمَانَةٍ لِثَبَاتِ القَوَاعِدِ—تُصِرُّ الإِدَارَةُ الرَّسْمِيَّةُ عَلَى الاسْتِفْرَادِ العَقِيمِ.

هَذَا الإِصْرَارُ عَلَى عَزْلِ لُبْنَانَ عَنْ عُمْقِهِ الإِسْتْرَاتِيجِيِّ، وَذَهَابِهِ مُنْفَرِداً إِلَى مُفَاوَضَاتٍ بِرِعَايَةٍ أَمِيرْكِيَّةٍ مُنْحَازَةٍ بِالكَامِلِ، لَيْسَ "سِيَادَةً" كَمَا يَزْعُمُونَ، بَلْ هُوَ انْتِحَارٌ سِيَاسِيٌّ "يُضْعِفُ مَوْقِفَ لُبْنَانَ وَيَجْعَلُهُ لُقْمَةً سَائِغَةً لِشُرُوطِ "المِنْطَقَةِ الأَمْنِيَّةِ" وَ"الرَّقَابَةِ الفَوْقِيَّةِ" الَّتِي تَمَسُّ صُلْبَ الكَرَامَةِ الوَطَنِيَّةِ".

— تَفَاوُضٌ بِلَا أَوْرَاقِ ضَغْطٍ: انْتِحَارٌ أَمْ تَوَاطُؤٌ؟

عَلَّمَتْ إِسْتْرَاتِيجِيَّاتُ التَّفَاوُضِ عَبْرَ التَّارِيخِ أَنَّ المُفَاوِضَ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى الطَّاوِلَةِ بِلَا مَخَالِبَ، إِنَّمَا يَذْهَبُ لِيُوَّقِعَ صَكَّ اسْتِسْلَامِهِ. وَالسُّلْطَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ، وَبَعْدَ تَجْرِبَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْراً مِنْ وَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ جَانِبُ المُقَاوَمَةِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ الكِيَانُ الصَّهْيُونِيُّ، تَفْعَلُ مَا هُوَ أَسْوَأُ:

— إِهْمَالُ تَضْحِيَاتِ المَيْدَانِ:

بَدَلاً مِنْ اسْتِخْدَامِ صُمُودِ الأَرْضِ وَقُدْرَةِ الرَّدْعِ كَأَوْرَاقِ قُوَّةٍ لِفَرْضِ شُرُوطِ لُبْنَانَ، تَتَعَامَلُ السُّلْطَةُ مَعَ هَذِهِ العَنَاصِرِ وكَأَنَّهَا عِبْءٌ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ لِإِرْضَاءِ الدَّوَائِرِ الغَرْبِيَّةِ.

— القَبُولُ بِالانْكِشَافِ الأَمْنِيِّ:

إِنَّ الرَّضُوخَ لِوُعُودٍ إِنْشَائِيَّةٍ بِـ"الانْسِحَابِ" مُقَابِلَ الْتِزَامَاتٍ تَنْفِيذِيَّةٍ فَوْرِيَّةٍ بِتَجْرِيدِ الجَنُوبِ مِنْ عَنَاصِرِ قُوَّتِهِ، هُوَ إِعَادَةُ إِنْتَاجٍ حَرْفِيَّةٍ لِلْمَسَارَاتِ الفَاشِلَةِ.

كَيْفَ يُمْكِنُ لِسُلْطَةٍ تَدَّعِي الحِفَاظَ عَلَى مُؤَسَّسَاتِهَا أَنْ تَقْبَلَ "بِحَقِّ الِاعْتِدَاءِ المَفْتُوحَةِ" لِلْعَدُوِّ فِي أَجْوَائِهَا وَعَاصِمَتِهَا، وَتُسَمِّي ذَلِكَ اتِّفَاقاً؟ إِنَّ هَذَا السُّلُوكَ لَا يُمْكِنُ تَصْنِيفُهُ تَحْتَ خَانَةِ "العَجْزِ"، بَلْ يَرْتَقِي لِيُصْبِحَ تَوَاطُؤاً عَلَنِيّاً يُعَرِّي انْفِصَالَ هَذِهِ النُّخْبَةِ عَنْ شَعْبِهَا وَجَيْشِهَا الَّذِي يُتْرَكُ مَكْشُوفاً بِلَا قَرَارٍ سِيَاسِيٍّ يَحْمِيهِ.

—المَشْهَدُ الدِّبْلُومَاسِيُّ: انْفِصَالٌ تَامٌّ عَنِ الدَّمِ.

بَيْنَمَا تَنْزِفُ القُرَى الحُدُودِيَّةُ وَيُهَجَّرُ أَهْلُهَا، تُطِلُّ الرَّمْزِيَّةُ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ لِلسُّلْطَةِ فِي العَوَاصِمِ الغَرْبِيَّةِ لِتَزِيدَ المَشْهَدَ قَتَامَةً. المُصَافَحَاتُ وَالاِبْتِسَامَاتُ الَّتِي تَنْقُلُهَا شَاشَاتُ التِّلْفَزَةِ مِنْ وَاشِنْطُنَ، وَالرِّهَانَاتُ الصِّبْيَانِيَّةُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ قُوَّى خَارِجِيَّةٍ أَمْامَ عَدَسَاتِ الكَامِيرَاتِ لِتَغْيِيرِ المُعَادَلَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، تَكْشِفُ حَجْمَ السُّقُوطِ الأَخْلَاقِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ.

إِنَّهُ مَنْطِقُ "جُمْهُورِيَّةِ الصَّالُونَاتِ" الَّتِي لَا تَرَى فِي دِمَاءِ الجَنُوبِيِّينَ وَالبِقَاعِيِّينَ سِوَى تَفَاصِيلَ يُمْكِنُ تَسْيِيلُهَا فِي بُورْصَةِ المَنَاصِبِ وَالمَكَاسِبِ، مُتَنَاسِيَةً أَنَّ الأَرْضَ الَّتِي حَمَاهَا أَهْلُهَا بِدِمَائِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمُ الرَّاسِخَةِ لَنْ تُسَلَّمَ بِأَقْلَامٍ مُرْتَجِفَةٍ فِي أَرْوِقَةِ البَيْتِ الأَبْيَضِ.

— التَّارِيخُ لَا يَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ.

إِنَّ الرِّهَانَ عَلَى "أَوْهَامِ الدَّوْلَةِ" تَحْتَ سَقْفِ الشُّرُوطِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ وَالأَمِيرْكِيَّةِ **هو رِهَانٌ عَلَى سَرَابٍ جَرَّبَهُ لُبْنَانُ مِرَاراً عِدَّةً وَبَاءَ بِالخُسْرَانِ**. الدَّوْلَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تُبْنَى بِتَفْكِيكِ عَنَاصِرِ قُوَّتِهِا، بَلْ بِاحْتِضَانِهَا. وَإِذَا اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ السُّلْطَةُ فِي غَيِّهَا بِالخُضُوعِ وَالإِذْعَانِ، فَإِنَّهَا لَنْ تَحْصَدَ سِوَى العُزْلَةِ وَالفِتْنَةِ، وَسَيَذْكُرُ التَّارِيخُ أَنَّهَا كَانَتْ سُلْطَةً تُفَاوِضُ عَلَى دِمَاءِ شَعْبِهَا بِلَا شَرَفٍ، وَتُقَدِّمُ التَّنَازُلَاتِ بِلَا مُقَابِلٍ، فِي زَمَنٍ لَا يَحْتَرِمُ فِيهِ العَالَمُ إِلَّا الأَقْوِيَاءَ وَالثَّابِتِينَ فِي خَنَادِقِهِمْ.