نجحت إدارة ترامب، حتى الآن، في اعتماد مقاربة تفاوضية أتاحت لها إعادة تفسير بعض بنود مذكرة التفاهم مع إيران، بما ينسجم مع مصالحها ومصالح حلفائها، وهو مسار قد ينسحب لاحقًا على بنية الاتفاق النهائي إذا لم تمتلك طهران ما يكفي من أوراق القوة لإعادة ضبط ميزان التفاوض، أو على الأقل كبح النزعة الأميركية إلى إعادة تأويل الالتزامات وفق مقتضيات الوقائع الميدانية والتحولات السياسية.
ويبدو أن البند اللبناني يمثل النموذج الأكثر وضوحًا لهذه المقاربة، وربما لن يكون الأخير. فهو يعكس، في جانب منه، حجم التباين داخل الإدارة الأميركية بين المقاربة التي يمثلها معسكر وزير الخارجية ماركو روبيو، وتلك التي يُنسب جانب منها إلى نائب الرئيس جي دي فانس، كما يكشف حجم التأثير الذي مارسه كل من بنيامين نتنياهو، والمؤسسة الأمنية الأميركية، واللوبي الداعم لإسرائيل في إعادة صياغة المشهد اللبناني بما يبدل مفاعيل ما جرى التفاهم عليه مع طهران.
فبعدما نجحت إيران، وفق هذا التصور، في انتزاع موافقة أميركية تقضي بإنجاز انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال مهلة ستين يومًا من إعلان مذكرة التفاهم، شهد المسار انعطافة سياسية عميقة. إذ أُعيد إنتاج الملف اللبناني بطريقة تسمح لواشنطن بالقول إنها لم تتراجع عن تعهداتها، بينما جرى نقل مركز القرار إلى السلطة اللبنانية التي اختارت، عبر تفاهماتها مع تل أبيب، مسارًا مختلفًا يقوم على التعاون الأمني والسياسي تحت عنوان “استعادة السيادة”، بما يضع ملف سلاح حزب الله في صلب هذه الترتيبات.
وبذلك تصبح الرواية الأميركية أكثر تماسكًا من الناحية السياسية؛ إذ تستطيع إدارة ترامب الادعاء بأنها لم تنقلب على التفاهم مع إيران، وأنها لا تستطيع مصادرة قرار دولة ذات سيادة اختارت بنفسها شكل العلاقة الأمنية والسياسية التي تريدها مع إسرائيل، حتى لو أفضى ذلك عمليًا إلى الإبقاء على ترتيبات ميدانية تسمح باستمرار الوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة ضمن تفاهمات ثنائية، وهو ما يثير، في المقابل، أسئلة جوهرية حول مفهوم السيادة اللبنانية وحدودها، وحول طبيعة الأثمان السياسية التي دفعت مقابل هذه المقاربة.
من هذه الزاوية، يصعب قراءة ما شهدته واشنطن باعتباره مجرد فصل للمسار اللبناني عن مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، بل يبدو، وفق هذا التحليل، محاولة لإعادة تموضع الملف اللبناني داخل استراتيجية أوسع هدفها تقليص هامش التأثير الإيراني، وإحراج طهران أمام أحد أبرز ملفات نفوذها الإقليمي، عبر تحويل الداخل اللبناني إلى ساحة اختبار لنتائج التفاهمات الإقليمية والدولية.
وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية وتعقيدًا. فهل تمتلك طهران أدوات تفاوضية كافية لإعادة إدراج الملف اللبناني ضمن أي اتفاق نهائي مع واشنطن، أم أن استمرارها في المفاوضات سيكرّس الأمر الواقع الجديد؟ وهل يشكل الانسحاب من المسار التفاوضي وسيلة ضغط فعالة، أم أنه يمنح خصومها مساحة أوسع لترسيخ الوقائع التي أنتجوها؟ أم أن مركز الثقل انتقل نهائيًا إلى الداخل اللبناني، حيث سيكون موقف حزب الله وحلفائه العامل الحاسم في تحديد مصير هذه الترتيبات، سواء عبر رفض الالتزام بها، أو عبر فرض معادلات ميدانية جديدة، أو من خلال إدارة مواجهة سياسية ودستورية تحول دون تكريسها من دون الانزلاق إلى صدام داخلي.
أما الاحتمال الأكثر تعقيدًا، فهو أن تكون المنطقة أمام هندسة سياسية متعددة المستويات، تتقاطع فيها ـ ولو بصورة غير معلنة ـ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية مع التفاهمات التي رعتها واشنطن بين إسرائيل والسلطة اللبنانية، بحيث يصبح التناقض الظاهر بين المسارين جزءًا من آلية توزيع الأدوار لا تعبيرًا عن تعارضها.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بما يعلنه المفاوضون في البيانات الرسمية، بل بما ستنتجه الوقائع على الأرض من توازنات جديدة. فالتجربة مع الإدارات الأميركية تُظهر أن النصوص ليست سوى نقطة البداية، أما مضمون الاتفاقات الحقيقي فيُكتب لاحقًا بميزان القوة، وبقدرة كل طرف على منع خصمه من احتكار تفسير الالتزامات وتحويلها إلى وقائع سياسية وأمنية دائمة. ومن هنا، فإن الملف اللبناني يبدو اليوم أمام لحظة مفصلية، تتجاوز كونه بندًا تفاوضيًا، ليغدو أحد أهم ميادين اختبار مستقبل التوازنات الإقليمية برمتها.
عباس المعلم - كاتب سياسي