د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد السيارة في العصر الحديث مجرد وسيلة نقل تقليدية بل تحولت إلى منصة رقمية متحركة تعتمد على أنظمة اتصال متقدمة وكاميرات محيطية وأجهزة استشعار دقيقة ونظام تحديد المواقع الدائم وهو ما جعلها جزءا من منظومة البيانات المتصلة بالإنترنت وهذا التحول التكنولوجي خصوصا في المركبات الكهربائية والذكية أثار جدلا متزايدا حول المخاطر الأمنية المرتبطة باستخدامها في البيئات العسكرية والامنية الحساسة
في هذا السياق اتخذت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مؤخرا قرارا بتقييد استخدام السيارات المصنعة في الصين داخل منشآتها العسكرية حيث بدأت بالفعل بإخراج مئات المركبات من الخدمة كانت مخصصة لكبار الضباط من رتبة عقيد فما فوق وقد اشارت التقديرات الاستخباراتية إلى أن عدد السيارات التي شملها الإجراء يقارب 700 مركبة معظمها من طرازات ( شيري تيجو 8 برو ) والتي كانت تصرف لضباط برتبة مقدم وعقيد ضمن منظومة الامتيازات الخاصة بالخدمة العسكرية
القرار جاء بعد سلسلة من التحذيرات والتقييمات الأمنية التي ركزت على احتمالية أن تشكل هذه المركبات بما تحمله من تقنيات رقمية متقدمة قناة محتملة لجمع البيانات أو نقلها خارج نطاق السيطرة المحلية الأمر الذي قد يخلق ثغرات متواصلة في البنية الأمنية للمؤسسة العسكرية
معظم المخاوف الإسرائيلية تتمحور حول عدة نقاط أساسية أولها يتعلق بإمكانية استغلال أنظمة الكاميرات والحساسات المتطورة لجمع معلومات دقيقة عن تحركات الأفراد والمواقع الهامة وهو ما يزداد حساسية عندما يتعلق الأمر بقواعد عسكرية ومنشآت استراتيجية كما أن طبيعة السيارات الحديثة التي تعتمد على الاتصال الدائم بالشبكة العنكبوتية وتبادل البيانات مع الخوادم الخارجية تعزز من مخاوف تسرب المعلومات بشكل اكبر
المحور الثاني يتعلق بإمكانية التحكم عن بعد عبر التحديثات البرمجية التي ترسل إلى السيارات عبر الإنترنت وهي تقنية تتيح للمصنع تعديل أنظمة التشغيل أو تحسين الأداء عن بعد ورغم الاستخدامات المدنية لهذه الخاصية إلا أن بعض التقديرات والمراقبة الأمنية الدقيقة تعتبرها نقطة ضعف محتملة يمكن استغلالها في حال وجود اختراق أو توظيف غير مشروع بما في ذلك تعطيل الأنظمة أو التأثير على أداء المركبة نفسها
يضاف إلى ذلك البعد المتعلق بالبيانات السلوكية والشخصية التي تجمعها هذه المركبات أثناء الاستخدام اليومي مثل أنماط القيادة والمواقع المتكررة والمعلومات الصوتية والمرئية داخل المقصورة وهو ما يثير مخاوف من إمكانية استخدامها في تحليل أنماط الحركة أو بناء ملفات رقمية دقيقة عن المستخدمين خاصة في البيئات العسكرية الحساسة
في ضوء هذه الاعتبارات والخشية المحتملة اتخذت الجهات الأمنية الإسرائيلية قرارا أوليا بمنع دخول السيارات الصينية إلى داخل القواعد العسكرية بشكل كامل مع إلزام الضباط بترك مركباتهم خارج المناطق الحساسة كما جرت محاولات تقنية سابقة لتقليل المخاطر عبر تعطيل أو إزالة أنظمة الاتصال في هذه السيارات إلا أن تلك الجهود لم تعتبر تقنيا كافية لضمان مستوى الأمان المطلوب ما دفع إلى خيار السحب الكامل وبالتوازي مع ذلك تقرر استبدال جزء من هذه الأساطيل بمركبات من شركات أخرى خصوصا من اليابان وكوريا الجنوبية في محاولة لتحقيق توازن بين الاعتبارات الأمنية والكلفة التشغيلية
ربما تحمل هذه القضية بعدا يتجاوز البعد التقني المباشر إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة التفكير الأمني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تتعامل مع أي منظومة رقمية متصلة بوصفها احتمالا مفتوحا للاختراق ما لم يثبت العكس بصورة قطعية وهذا النهج يعكس تحولا كبيرا في مفهوم الأمن من الحماية التقليدية إلى الأمن الوقائي في الفضاء السيبراني حيث تصبح الشكوك جزءا من عملية اتخاذ القرار حتى في غياب أدلة حاسمة او قطعية
من جهة أخرى يندرج هذا القرار ضمن سياق دولي أوسع يتسم بتصاعد التنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى الأمر الذي يجعل من كل منتج تقني متصل بالإنترنت جزءا من معادلة جيوسياسية معقدة وفي هذا الإطار لا يمكن فصل المخاوف الإسرائيلية عن البيئة الاستراتيجية التي تتزايد فيها حساسية التعامل مع التكنولوجيا الصينية باعتبارها مرتبطة في الوعي الأمني الغربي بإمكانية توظيفها في جمع البيانات أو بناء قدرات استخبارية غير مباشرة عبر البنية الرقمية العالمية
يبقى السؤال الجوهري المطروح حول ما إذا كانت هذه المخاوف الإسرائيلية تستند إلى تهديدات حقيقية ومثبتة أم أنها تعكس درجة عالية من التحوط الأمني في مواجهة تطور سريع في تقنيات المركبات الذكية من الناحية التقنية حيث لا يمكن إنكار أن السيارات الحديثة تمتلك بالفعل قدرات واسعة على جمع البيانات وتخزينها ونقلها وهو ما يفتح نظريا باب إمكانية استغلالها في أعمال رصد أو تجسس في حال توفر نية وقدرة سيبرانية متقدمة
القرار الإسرائيلي لا يأتي بمعزل عن توجهات دولية أوسع خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية التي عبرت عن مخاوف مشابهة تجاه السيارات الصينية المتصلة حيث أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن تحقيقًا أمنيًا حول المركبات الذكية الصينية التي قد تجمع معلومات حساسة عن مستخدميها وإرسالها إلى جهات خارجية وقد اقترحت وزارة التجارة الأمريكية تطبيق قواعد تحظر مكونات برمجية وأجهزة صينية في السيارات التي تستخدم أنظمة اتصال ( مثل البلوتوث واي فاي شبكات هوائية القيادة الآلية ) اعتبارًا من موديلات 2027 وعلى الهاردوير اعتبارًا من 2030 بحجة المخاطر الأمنية مثل التجسس أو امكانية تعطيل السيارات عن بعد
نظريًا تعتبر جميع السيارات الذكية (صينية أو غير صينية) وخاصة التي تحتوي على أنظمة GPS لتحديد المواقع وكاميرات ومجسات داخلية وخارجية وميكروفونات وأنظمة اتصال لاسلكي مع الشركة المصنعة (OTA updates) قد تسبب هواجس أمنية ومخاطر من استغلالها لعمليات تجسس عن بعد وما يعزز المخاوف من السيارات الصينية تحديدا ان القانون الصيني للأمن القومي لعام 2017 يلزم الشركات المصنعة بالتعاون مع أجهزة الدولة عند الطلب ما يعني أنه في حال طلبت الحكومة الصينية من شركة سيارات بيانات معينة والشركة قانونًا لا تستطيع الرفض وكثير من الدول تخشى من استغلال الصين لهذا القانون من أجل الوصول غير المباشر إلى بيانات حساسة عبر هذه الشركات خصوصًا عندما تكون تلك السيارات داخل قواعد عسكرية أو مناطق حكومية
ختاما : هل مخاوف إسرائيل من السيارات الصينية حقيقية والجواب بالرصد الهندسي والتحليل التقني وتبادل الخبرات ثبت انه لا توجد حتى الآن أدلة علنية قاطعة تثبت استخدام هذه المركبات كأداة تجسس مباشر في السياق العسكري المعلن من خلال الكاميرات والحساسات المدمجة في السيارات الذكية وبناء عليه يبدو أن القرار الإسرائيلي يقع في منطقة وسط بين الوقاية الأمنية المشددة وبين إدارة مخاطر افتراضية محتملة أكثر من كونه استجابة لواقعة اختراق مثبتة وهو ما يعكس طبيعة الصراع المعاصر حيث تتداخل التكنولوجيا بالأمن والسياسة في مساحة واحدة متشابكة وشديدة الحساسية
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية