من يملك الرواية؟ معركة السرد في زمن الحروب
مقالات
من يملك الرواية؟ معركة السرد في زمن الحروب
1 تموز 2026 , 04:31 ص

محمد عزيز الغنّودي كاتب و طالب إجازة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس .

 الحرب اليوم تكسب وتخسر في الشاشات قبل الميادين، لكن من يملك الشاشة؟

لم تعد الحرب تُحسم فقط بمن يملك القنابل، بل بمن يملك الجملة الأولى في نشرة الأخبار. في كل نزاع مسلح اليوم، تدور بالتوازي حربان: واحدة على الأرض بالدم والحديد، وأخرى على الشاشات بالصورة والرواية. والغريب أن الثانية كثيراً ما تحدد نتائج الأولى.

هذه ليست ظاهرة جديدة، لكنها باتت اليوم أكثر وضوحاً وأشد تأثيراً من أي وقت مضى. وفهمها يستلزم أن نطرح سؤالاً لا يبدو مريحاً: من يملك حق رواية الحرب؟ ومن يقرر أيّ الضحايا تستحق الحداد، وأيّها تستحق الصمت؟

أولاً: السرد سلاح قديم في يد الأقوى

منذ حرب فيتنام، أدرك صانعو القرار الغربيون أن الصورة يمكن أن تهزم الجيش. حين بثّت شبكة NBC مشاهد الجثث الأمريكية عائدةً في توابيت، تحول الرأي العام، وتحولت معه السياسة. لم يُهزم الجيش الأمريكي في الغابة، بل في غرف الجلوس.

منذ ذلك الحين، أصبح التحكم في السرد جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحرب. في العراق عام 2003، سبقت الرواية القنبلة: أسلحة الدمار الشامل، محور الشر، تحرير الشعب. لم تكن هذه مجرد أكاذيب سياسية، بل كانت بنية سردية متكاملة صُنعت بعناية لتجعل الحرب ممكنة أخلاقياً في أعين الرأي العام قبل أن تكون ممكنة عسكرياً على الأرض.

القاعدة كانت ثابتة لعقود: من يملك قنوات الإعلام الكبرى يملك الرواية، ومن يملك الرواية يملك التأويل، ومن يملك التأويل يملك المشروعية. وكانت هذه القنوات في الغالب ملكاً للقوى الكبرى أو لمن يدور في فلكها.

الحرب لا تبدأ حين تطلق الرصاصة الأولى . بل حين تروى الجملة الأولى

ثانياً: الفضاء الرقمي ووهم تكافؤ الفرص

جاءت منصات التواصل الاجتماعي ومعها وعد كبير: أن الرواية لم تعد حكراً على الأقوياء. فجأة، أصبح بإمكان مواطن في غزة أو السودان أو ميانمار أن يبثّ شهادته مباشرةً إلى ملايين البشر، متجاوزاً البوابات التقليدية للإعلام.

وقد كان لهذا أثر حقيقي لا يمكن إنكاره. الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 كانت ربما الحدث الأكثر توثيقاً في تاريخ البشرية. صور، مقاطع، شهادات، أرقام — كل شيء كان حاضراً في متناول أي شخص يملك هاتفاً. وقد أنتج ذلك موجة رأي عام عالمية لم تشهدها قضية منذ عقود، وامتدت من الجامعات الأمريكية إلى الشوارع الأوروبية إلى برلمانات لم تعتد الاحتجاج.

في أوكرانيا، استطاعت كييف أن تحوّل حربها إلى سردية بطولية تستهلكها الشاشات الغربية بشهية: الرئيس الذي يرفض الإخلاء، المدنيون الذين يصنعون المولوتوف، الجدة التي تحمل السلاح. كانت هذه صوراً حقيقية، لكنها اختيرت وأُطّرت بعناية. الفضاء الرقمي لم يكن حيادياً، لكنه أتاح تنافساً على السرد لم يكن ممكناً من قبل.

وسائل التواصل أعطت الضعيف صوتا . لكنها لم تعطه مكبر الصوت

ثالثاً: من يملك المنصة يملك الرواية — دائماً

لكن حين نتأمل المشهد بعيون أكثر برودة، ندرك أن الفضاء الرقمي لم يكسر المعادلة، بل أعاد إنتاجها بأدوات جديدة. فالمنصات الكبرى ميتا، إكس، يوتيوب ليست فضاءات محايدة، بل شركات خاضعة لضغوط سياسية وتجارية واضحة .

خلال الحرب على غزة، وثقت منظمات حقوق رقمية متعددة آلاف حالات حذف المحتوى الفلسطيني وتقليص انتشاره دون مبرر واضح. الخوارزميات لا تعلن انحيازها، لكنها تمارسه في صمت: منشور يحذف هنا، حساب يعلَّق هناك، هاشتاق لا يصعد إلى الترند رغم كثافة استخدامه. هذه ليست أخطاء تقنية، بل هي سياسة مؤسسة على منهج و مخطط واضح .

في المقابل، حظيت الرواية الأوكرانية بدعم مؤسسي غير مسبوق: منصات أزالت المحتوى الروسي، وحكومات مولت الإعلام المعارض، وشركات تقنية قدمت أدوات الاتصال مجانا للجانب الذي اختارته. لم يكن الفضاء الرقمي حرا، بكن كان منحازا لصالح رواية بعينها.

والأخطر من ذلك أن التحكم في الخوارزمية يعني التحكم في الانتباه، والتحكم في الانتباه يعني التحكم في ما يعتبر حقيقيا . الصورة التي لا يراها أحد كأنها لم تحدث، والمجزرة التي لا تصل إلى الترند كأن ضحاياها لم يسقطوا .

ليست المشكلة في من يمنع الصوت . بل في من يقرر أي الأصوات تستحق أن تسمع

خاتمة: توتر لا حسم

معركة السرد في زمن الحروب إذن ليست بين الحقيقة والكذب، بل بين روايات متنافسة تسعى كل واحدة منها إلى احتلال مركز التأويل. والفضاء الرقمي لم ينه هيمنة الأقوياء على هذه المعركة، لكنه أدخل إليها متغيرات لم تكن موجودة: صوت الضحية المباشر، التوثيق الفوري، وإمكانية التحقق .

السرد لم يعد حكرا كاملا ، لكنه لم يتمتع الى الأن بالحرية المطلقة . وبين هذين القطبين تقع المعركة الحقيقية: معركة على من يملك حق تسمية الأشياء بأسمائها، ومن يملك حق تحديد من هو الضحية ومن هو الجلاد، ومن يملك في النهاية حق كتابة التاريخ .

بقلم : محمد عزيز الغنودي : كاتب و طالب بكلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس مهتم بالشأن الدولي و العام