في السياسة، لا توجد مصادفات بروتوكولية، ولا أخطاء عفوية في استقبال رؤساء الدول. فلكل خطوة، ولكل باب يُفتح أو يُغلق، ولكل مقعد يُخصَّص، رسالة تُكتب بلغة النفوذ قبل أن تُقرأ بلغة الدبلوماسية. ولذلك، فإن قيمة الدول لا تُقاس بما تردده سلطاتها عن السيادة والاستقلال، بل بما يفرضه حضورها من احترام على الآخرين. أما البروتوكول، فهو المرآة التي تعكس الحقيقة عندما تتولى البيانات الرسمية مهمة تجميلها.
هذا ما تكشفه، برأيي، زيارة الرئيس جوزيف عون إلى الولايات المتحدة، والتي قُدِّمت للرأي العام على أنها زيارة استثنائية بدعوة شخصية من “الصديق” دونالد ترامب. لكن السياسة لا تعترف بالأوصاف الرومانسية، بل بالمشهد الذي رأه العالم. فمنذ اللحظة الأولى، بدا الاستقبال باهتًا إلى حد يصعب معه تمييز رئيس جمهورية عن مسؤول محلي أو ضيف عابر في جدول المواعيد. بل إن بعض رؤساء البلديات، ورؤساء الجامعات، وحتى الشخصيات الثقافية، يحظون أحيانًا بمراسم استقبال أكثر حضورًا ورمزية، لأن الدول تحترم نفسها قبل أن تطلب من الآخرين احترامها.
غير أن المشهد الذي يستحق أن يُدرَّس بوصفه نموذجًا لانحدار المكانة السياسية، هو أن يتوجه رئيس جمهورية ذات سيادة إلى مقر وزارة خارجية الدولة المضيفة للقاء وزير خارجيتها. ليس لأن لقاء وزير الخارجية أمر مستغرب، بل لأن الأعراف الدبلوماسية المستقرة منذ عقود تجعل الوزير هو من ينتقل إلى مقر إقامة الرئيس الزائر، أو يكون حاضرًا ضمن لقاء رسمي يجمع رئيسي الدولتين. أما أن يصبح رئيس دولة هو من يقصد مكتب وزير، فهذه ليست مجرد حركة بروتوكولية، بل رسالة سياسية تقول أكثر بكثير مما قد تقوله عشرات المؤتمرات الصحفية.
الأخطر من ذلك أن السلطة اللبنانية لا تبدو منزعجة من هذا المشهد، بل تتعامل معه وكأنه إنجاز يستحق الاحتفاء. وكأن معيار الكرامة الوطنية لم يعد يُقاس بموقع الدولة وهيبتها، بل بعدد الصور المنشورة، والابتسامات المتبادلة، والبيانات التي تُكتب بصيغة الإنجاز فيما الوقائع تكتب بلغة مختلفة تمامًا. إنها مفارقة تدعو إلى السخرية؛ فكلما تقلص حضور الدولة في الخارج، ازداد خطابها في الداخل عن السيادة والاستقلال، حتى باتت السيادة تُمارس في الخطب أكثر مما تُمارس في العلاقات الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن المشكلة لم تعد تقتصر على ضعف الدولة اللبنانية، بل تمتد إلى صورة رأس السلطة نفسه. فالرئيس الذي يظهر يومًا بعد يوم وكأنه يتحرك ضمن هوامش مرسومة له من الخارج، ويعجز عن انتزاع الحد الأدنى من الاعتبار الذي يليق بموقع رئاسة الجمهورية، يطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: إذا كان القرار المتعلق بحضوره الشخصي يبدو محدودًا، فكيف يمكن الاطمئنان إلى قدرته على حماية القرار الوطني حين تتزاحم الضغوط والإملاءات والابتزازات؟
الدول القوية لا تطلب الاحترام؛ بل تفرضه بصمت. أما الدول الضعيفة، فتكتفي بترديد مفردات السيادة بينما تتنازل عنها بالتقسيط، حتى يصبح البروتوكول نفسه شاهد اتهام عليها. فهناك رؤساء تُفتح لهم أبواب القصور لأنهم يمثلون دولًا تفرض وزنها، وهناك رؤساء يطوفون على أبواب الوزارات، ثم يعود إعلامهم ليحدث الناس عن انتصار الدبلوماسية.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ يصبح المشهد أشبه بمسرحية سياسية عنوانها “السيادة”، بينما يؤدي أبطالها أدوارًا لا يملكون فيها حتى حرية اختيار موقع جلوسهم أو باب دخولهم. وعندما تصل الدولة إلى مرحلة يصبح فيها احترام رئيسها خاضعًا لمزاج الآخرين، فإن الأزمة لم تعد أزمة بروتوكول، بل أزمة سيادة، وأزمة قرار، وأزمة وطن يُراد له أن يعتاد الإهانة حتى يظنها شكلًا من أشكال العلاقات الطبيعية بين الدول.
عباس المعلم - كاتب سياسي