من
مقالات
من "الصبر الإستراتيجي" إلى الصدمة المركبة: كيف يعيد اليمن رسم قواعد الاشتباك في الخليج والعالم؟
موسى عباس
21 تموز 2026 , 04:26 ص

كتب: موسى عبّاس

لم يعد اليمن يتحدث بلغة المناشدات. وبعد سنوات من الإغلاق والعقوبات والحصار الجوّي والبحري، أعلنت صنعاء انتقالها من مرحلة "الصبر الإستراتيجي" إلى مرحلة "فرض المعادلات". انتقال يحمل في طياته رسائل سياسية وعسكرية واقتصادية تجاوزت حدود اليمن لتصل إلى عمق الخليج وإلى أسواق العالم.

— نهاية احتكار أوراق الضغط:

التصعيد الأخير ليس حدثاً عابراً. إنه إعلان بأن زمن احتكار طرف واحد لأوراق الضغط قد انتهى.

معادلة "المطار بالمطار" التي أطلقتها صنعاء كانت رسالة واضحة: إذا استمر إغلاق مطار صنعاء، فلن تبقى المطارات السعودية بمنأى عن تداعيات الحرب.

الهدف ليس استهداف المدنيين، بل تغيير الحسابات السياسية. فالرهان يقوم على مبدأ بسيط: استمرار الحصار يجب أن تكون له كلفة على من يفرضه، وليس على الشعب اليمني وحده.

من هنا جاءت التحذيرات لشركات الطيران والملاحة، في إطار معركة ضغط لفرض واقع جديد عنوانه: "الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف دون آخر".

عشر سنوات أثبتت أن الحصار لم يكسر اليمنيين، وأن الحرب لم تحقق أهدافها. وفي المقابل تطورت القدرات الصاروخية والمّسيّرة اليمنية لتصل إلى مديات بعيدة، ما يعني أن الجغرافيا لم تعد درع حماية، وأن معادلة "الأمن مقابل الحصار" سقطت.

—سلاح المضائق: شبح الإغلاق المزدوج.

إلى جانب معادلة الردع الجوي، تبرز الورقة الأكبر: شبح إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب معاً.

- هرمز: يمر به يومياً 20 مليون برميل نفط، أي 20% من الاستهلاك العالمي، و20% من الغاز المسال.

- باب المندب: يمر به 7% من التجارة العالمية، و21 ألف سفينة سنوياً، و8% من الغاز المسال.

إغلاقهما معاً يعني تعطيل نحو 32% من صادرات النفط العالمية. وهنا لا نتحدث عن أزمة واحدة، بل عن "صدمة مركبة":

ارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين في وقت واحد، ما يدفع العالم نحو تضخم مفرط وركود تضخمي.

—الخليج وواشنطن في عين العاصفة:

— أولاً: الخليج..حصار داخل الحصار:

رغم كونها مصدِّرة للطاقة، تعتمد دول الخليج على الاستيراد في الغذاء والدواء والسلع. إغلاق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً يحوِّلها إلى منطقة "محاصرة بحراً".

السعودية التي اعتمدت ميناء"ينُبع" على البحر الأحمر كبديل لتصدير النفط، ستجد هذا المتنفس مقطوعاً. وستتضرر أوروبا وآسيا بنفس القدر.

— ثانياً: الولايات المتحدة.. وَهَمْ العُزلة:

رغم إنتاجها النفطي، لا تستطيع أميركا عزل نفسها. النفط يُسعّر عالمياً، وكل 10$ زيادة في البرميل ترفع سعر غالون البنزين 25 سنتاً.

الانعكاسات تمتد إلى تضخم أسعار الغذاء والسلع، وضغوط على الاحتياطي الفيدرالي بين كبح التضخم ودعم النمُو، وضربة مباشرة لقطاعات الطيران والبتروكيماويات والزراعة. كما أن استنزاف الاحتياطي الاستراتيجي النفطي لتهدئة السوق سيتحول لاحقاً إلى عبء مالي ضخم.

— الرياض أمام خيارين:

اليوم تجد الرياض نفسها أمام مفترق طرق:

.1. الاستمرار في الحصار وتحمُل كلفة أمنية واقتصادية متزايدة، وخطر شل حركة الطيران والاستثمار وضرب "رؤية 2030".

.2.الاعتراف بالواقع الجديد والانتقال إلى تسوية سياسية تبدأ بفتح مطار صنعاء وموانئ اليمن.

قد تنجح الدفاعات الجوية في اعتراض صواريخ، لكنها لن تستطيع اعتراض الحقيقة: الحصار لم يعد بلا ثمن.

ما يجري ليس جولة تصعيد جديدة. إنه إعادة رسم لقواعد الاشتباك في المنطقة.

إذا فرضت معادلة "المطار بالمطار" نفسها، فإنها لن تحل أزمة مطار فقط، بل ستفتح الباب لمرحلة جديدة يصبح فيها رفع الحصار عن اليمن ضرورة أمنية وسياسية للجميع.

الرسالة اليمنية واضحة: السلام لا يبدأ بالضغط على شعب محاصر، بل بالاعتراف بحقه في الحركة والحياة والسيادة.

وما بين مطار صنعاء ومطار أبها، وبين باب المندب ومضيق هرمز، تُكتب اليوم قواعد جديدة للخليج والعالم.