كتب الدكتور محمد صادق الحسيني:
في ظل عالم مضطرب وهويات حائرة قفز اسمه فجأة الى الواجهة ليتصدر قيادة واحدة من اكثر الدول الحديثة والمعاصرة فرادة وتميزاً واكثرها جدلاً في عالم السياسة والفكر والثقافة والايديولوجيا،
ليخوض التجربة بكل جرأة وثبات واستقامة رغم تدافع العوامل والاحداث والوقائع والرموز من حوله وتزاحمها بشكل شديد التعقيد والتشابك على كل المستويات الداخلية والاقليمية والدولية .
يومها كانت ايران ومحيطها وبيئتها الدينية الحاضنة تعيش صدمة رحيل المؤسس والقائد الثوري الكاريزمي العظيم ، للمشهد العام بعد صراع مرير مع المرض وجنازة هي الاضخم والاكبر والاكثر فرادة وتميزاً في عالم تشييع الرؤساء والزعماء ورجال الدين والدولة ، تاركاً الابواب مفتوحة على مصاريعها لمن سيخلفه في المهمة الاكثر دقة وتعقيداً وتشابكا على الاطلاق..
فجاة كان عليه ان يتحول من رجل من رجالات الثورة والدولة وسط زحمة الرجال والزعماء وما اكثرهم الى الرجل الاول والخليفة المنتظر الذي عليه ليس فقط ان يتسلم الراية ، بل وان يتولى حفظها ومن ثم تسليمها الى القائد المؤمل والعدل المنتطر حسب الرواية الدينية الضاربة عميقاً في جذور الفكر وفي الاسطورة الشعبية المقدسة لدى عشرات الملايين
فقرر ان يخوض التجربة رغم زهده بالسلطة وإعراضه عنها ، نعم ان يخوضها بمسؤولية البصير مهما كان الثمن، خاصة بعد ان وقعت القرعة عليه انتخاباً دستورياً لا مناص منه
وهو ما استطاع بالفعل اثبات جدارته بحق نيلها حيث تمكن بالفعل وبسرعة وسلاسة قل نظيرها تجاوز رهبة الموقف والتقدم بثبات وتؤدة واجتياز اختبارات البدايات الى الدرجة التي تمكن فيها ليس فقط من تجاوز المهمة الاثقل بل ونيل شرف انتزاع لقب باني الدولة الايرانية المعاصرة والحديثة بلا منازع وهي مهمة ليست اقل صعوبة ومخاطرة ان لم تكن اكثر تعقيدا وتشابكا وقد نجح بها باتقان.
فايران التي قاد ناصيتها السيد علي الخامنئي ووقف على رأس هرمها الديني والسياسي والفكري ، ليست دولة اسلامية وجمهورية فحسب كما اسس لها واورثها للاجيال الواعدة، المؤسس وقائد الثورة الامام روح الله الموسوي الخميني امانةً بين يدي هذا الخلف الصالح ، وانما اضحت ديمقراطية فريدة من نوعها ، ارتأى هو ( الخليفة) تحديداً ان يسميها ، ب"السيادة الشعبية الاسلامية" ، و هي مقولة جديدة و مستحدثة في علم السياسة كما في علم الادارة ادخلها لاعب الشرق الجديد الامام السيد علي الخامنئ شخصيا بكل امتياز .
هي ايران شاغلة العالم كل العالم ومشغلّته ، والحاضرة في كل تفاصيل تحولاته المتسارعة على اكثر من صعيد و الذي حولها الخليفة المقتدر الى بيضة القبان في كل معادلاته ، واللاعبة الاساسية في صيرورة اعادة بناء النظام العالمي الجديد ورسم معالمه الجيو سياسية بعد ان ساهمت بفطنة قل نظيرها في اسقاط وهزيمة الاحادية الامريكية اكثر من مرة وفي اكثر من ساحة وميدان.
كان بين دفتي الرجل الثمانيني الخراساني وصاحب الراية المشرقية ارث عظيم ومن الوزن الثقيل يكاد يشعر حامله بانه بثقل الجبال على كتفيه منذ ان تولى هذه المهمة ، لكنه قرر ان يكون على مستوى الحدث فعلاً كما وعد منذ ان دخل سوح النضال والكفاح منذ عقود..
يسابق الزمن في العطاء لا يكل ولا يمل ويهزم كل جنرالات اليأس والقنوط…
ورغم كهولة سنه مع الايام تراه في اوج شبابه في الحيوية والعطاء والنشاط الذي لا يعرف الشيخوخة ابدا…
وفي تعبير شعري فارسي جميل له وهو المتذوق للشعر بكل اللغات الحية والذي قد يكون استمده، السيد الاديب الاريب من شاعر ايران الكبير حافظ الشيرازي الذي كما اعرف انه يعشقه…
يقول ناظما لبيتين يصف نفسه فيهما بشكل جميل ومعبر :
"ممتلئ انا بالشباب ومفعم بالحيوية ..
وان كنت شيخاً عفى عليه الدهر عمراً
غير اني كشجرة السنديان ابقى زاهياً بربيعي رغم خريف عمري .."
عن الامام القائد السيد علي الحسيني الخامنئي الشهيد اتحدث و اخوض هنا تجربة الكتابة عنه في بعض من تصوراته لايران التي كافح من اجل استقلالها وحريتها ومن ثم تسلم راية امامها المؤسس الراحل على امل تسليمها قوية عزيزة لصاحب العصر والزمان وهو الذي واكب رحلة الالف ميل في سلم صعودها ان في سلك الدولة او في سلك التتلمذ على يد الامام المؤسس في مدرسة الثورة ، وخاض في بحور المدرستين منذ البدايات الاولى
بخطى متسارعة ولكن بكل ثقة وتؤدة واطمئنان مضت ايران الثورة والجمهورية بقيادة الامام السيد علي الخامنئي نحو العلى والجلوس على سدة القيادة المشتركة لعالم متعدد الاقطاب ، الى جانب الدول العظمى ناسخة بذلك على يده كل نظريات العالم التقليدي السياسية التي حكمت العالم منذ الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تقول بنهاية التاريخ عند ابواب الليبرالية الامريكية المادية وانتصارها الرسمي على نظريات حضور الدين والايديولوجيا في نظام الحكم في الدولة والمجتمع.
ليس هذا فحسب بل ان ايران في عهد ما بعد الخميني و صعود تلميذه الحسيني استطاعت ان تفرض معادلة لم يسبق لها ان حضرت في تاريخ العلاقات الدولية الا وهي بان لا حل لاي من مشكلات العالم وازماته المستعصية وهو يودع معادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية واحادية الغرب المتوحش الا بحضور فاعل لقوة الاسلام السياسي باعتباره الحراك والعقيدة الاكثر حضورا وفعالية في نسيج بناء العالم الجديد.
انها ايران الصبر والظفر ، وايران الجهد والجهاد ، وايران صياغة وصناعة القرارات الدولية التي من شأنها نقل العالم من معادلة الناهبين لثروات الشعوب الى عالم العاملين باجتهاد لبناء دولة الحق والعدل والقسط .
لم يعد في زمنه الحديث حول مدى استعداد العالم لقبول ايران كلاعب جديد في النادي الدولي بعد ان فشلوا في كل اشكال حصارها فضلا عن هزيمتها اوكسرها ، بل صار الحديث عن مقدار وحجم حصتها في العالم الجديد.
بل اصبحت بيضة القبان في معايير الميزان الجديد، حيث هي الرقم الصعب في حساب من حسابات موازين القوى الصاعدة الصانعة لمستقبل الامم والشعوب الناهضة.
وهكذا تحولت ايران الاسلام التي اسقطت في عصر امامها المؤسس الخميني المعظم، معادلة الاستقطاب الثنائي الامبريالي الذي تاسس بعد حربين اوروبيتين وحشيتين…
في عصر الامام الخامنئي باني دولتها المعاصرة ، القوة الاسلامية الصاعدة الاهم في ثلاثي الشرق الواعد ، بل اهم لاعب مؤثر في عملية اسقاط الاحادية الامريكية الظالمة التي ستدفن الشيطان الاكبر مرة والى الابد ، وتقتلع في طريقها ثكنتها العسكرية وحاملة طائراتها المتقدمة في شرق اسيا مستعيدة بذلك الحق التاريخي الناصع لاهل فلسطين بوطنهم التاريخي من النهر الى البحر مغلقة بذلك سجل اخر احتلال احلالي استيطاني استعماري في العالم ايضا مرة والى الابد.
معاً وسوياً دعونا نطالع بعمق هذه الرسالة التاريخية لايران الاسلام في حضرة الامام الشهيد في محطة حياته الاخيرة ،بعد ان نجح وبشكل ملحمي مبدع بدمه وشهادته في انبعاث الامة الايرانية من جديد، وكسر هيمنة وهيبة الشيطان الاكبر وكلب حراسته الصهيوني مرة والابد وهو يضع المدماك الاخير في سلم اقتدار دولة ولاية الفقيه الشعبية الديمقراطية.
*عالم ينهار*
*عالم ينهض*
*بعدنا طيبين قولوا الله*