”قراءة فلسفية في معنى الدفاع عن الأرض والمقدسات وعن حق الشعوب الإسلامية والمسيحية في الحياة الحرة."
ليس الدفاع عن الأرض فعلا عسكريا فقط، بل هو موقف حضاري يرد الإنسان إلى معنى وجوده حين يحاول الغزاة تحويل الجغرافيا إلى غنيمة، والتاريخ إلى رواية مزورة. وفي هذا السياق، تبدو تضحيات رجال الصمود في لبنان وفلسطين والجنوب السوري والعراق واليمن الشقيقين علامة على أن الشعوب لا تموت مادامت قادرة على قول ”لا" في وجه الهيمنة والأطماع الاستعمارية. فالمعركة هنا ليست على حدود مرسومة بالحبر، بل على الذاكرة والكرامة والحق في البقاء.
حين يتعرض القدس الشريف وبيت لحم وسائر المقدسات للخطر فإن القضية لا تعود شأنا دينيا محضا، بل تصبح امتحانا أخلاقيا للأمة كلها، مسلمين ومسيحيين على السواء فبيت لحم، بما هي مهد السيد المسيح عيسى ابن مريم البتول عليه وعلى أمه سيدة أهل الجنة السلام، ليست تفصيلا هامشيا في الصراع، بل شاهدا على أن العبث بالمقدسات هو عبث بالتعدد الروحي والثقافي الذي يميز هذه المنطقة. لذلك فإن حماية الأماكن المقدسة هي حماية للذاكرة المشتركة، وللأخوة التي حاول الاحتلال تمزيقها.
إن مشاريع التوسع وابتلاع الأراضي لا تتحرك وحدها؛ إنها تستند إلى منظومة دولية من الاستقواء والابتزاز والتضليل، وتغذيها سرديات الخوف والطائفية وتفتيت المجتمعات من الداخل. وهنا تبرز قيمة الوعي السياسي، فالأمم التي لا تفهم طبيعة الخصم تستنزف قبل أن تهزم. ومن هذه الزاوية، فإن التلاحم بين شعوب المنطقة وجيوشها وقواها الحية ليس شعارا عاطفيا، بل شرطا للبقاء أمام منطق الغلبة والقوة العمياء.
أما لبنان وفلسطين وسورية، فهي ليست ساحات متفرقة، بل خطوط تماس في معركة واحدة. وكل من يدافع عن الجنوب اللبناني وعن غزة وعن الجنوب السوري المحتل، لا يحمي أرضا وحسب، بل يحمي امكانية أن يبقى لأصحاب هذه الأرض السيادة. وللأمة معنى القرار، وللإنسان معنى الحرية. وفي هذا الإطار، فإن دعم الشعوب الصامدة ومقاومة التطبيع مع الإحتلال والتصدي لخطاب التبرير والتزييف، هي كلها وجوه لمعركة واحدة عنوانها: لا شرعية للغاصب. إن الكرامة لا تمنح، بل تنتزع حين ينهض الوعي من سباته، وحين تدرك الشعوب أن العدو الذي يهدد جارك اليوم لن يكتفي بجارك غدا. لذلك فالمطلوب ليس فقط التضامن، بل اليقظة، والاصطفاف الأخلاقي، وصون الحق من التحريف. والأرض التي تحرس بالوعي لا تسرق بسهولة، والأمة التي تعرف نفسها، لا يستطيع شيطان الاستكبار والهيمنة والتوسع أن يلتهمها مهما طال الزمن.
« طهران في ميزان الوفاء»
في زمن تتكاثر فيه الأقنعة وتتشابه فيه الأصوات، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا بوصفها دولة فقط، بل بوصفها موقفا تاريخيا اختار أن يقف في الجبهة الصعبة من التاريخ: جهة المبدئية، والالتزام، ودفع الثمن. لقد قدمت عبر عقود من الضغوط والحصار والتهديد، نموذجا سياسيا نادرا في الإقليم، قوامه أن الأمة لا تحفظ بالخطابات، بل بالثبات عند الامتحان، وبالاستعداد لتحمل الكلفة حين تتراجع العواصم إلى منطقة الصمت أو المساومة.
وليس من الانصاف أن يختزل هذا الحضور في بعد عسكري أو أمني ضيق، لأن حقيقة الدور الإيراني أوسع من ذلك بكثير، فهي وقفت في لحظات مفصلية، إلى جانب قضايا العرب والمسلمين حين انكفأت أصوات كثيرة، ومدت يد الدعم إلى من حملوا عبء الدفاع عن الأرض والكرامة لا من باب للمصلحة العابرة، بل من باب رؤية تعتبر أن فلسطين ليست ملفا، وأن القدس ليست عنوانا رمزيا، وأن الجنوب اللبناني وسورية وبيت لحم وسائر الثغور ليست هامشا في كتاب الجغرافيا، بل قلبا نابضا في جسد الأمة.
إن الموقف الذي يستحق التكريم حقا هو ذاك الذي يدرك أن المعركة مع الاحتلال ليست معركة حدود فقط، بل معركة معنى. ولذلك، فإن طهران، حين أصرت على نصرة المستضعفين، لم تكن تبحث عن مجد دعائي، بل عن موقع أخلاقي في عالم يزداد قسوة وتزييفا. لقد دفعت أثمانا عالية، بشريا واقتصاديا وسياسيا، لأن أثمان الخيارات الكبرى لا تحسم إلى خسائر، ولأن من يواجه المنظومات الاستعمارية لا يخرج من المواجهة نظيف الكفين ولا كثير الأصدقاء.
ومن هنا، فإن تكريم بلد الحضارات إيران، هو في جوهره تكريم لفكرة الصمود نفسها. تكريم لدولة أدركت أن العدوان إذا ترك بلا رد تمدد، وأن الاستقواء إذا لم يكسر في بدايته صار قاعدة للهيمنة. وتكريما يضاهي اعتراف بأن الدفاع عن المقدسات، وعن فلسطين السليبة ولبنان وسورية واليمن والعراق، وعن أمن المنطقة، ليس شأنا عاطفيا، بل ضرورة حضارية ترد التوازن إلى عالم اختل ميزانه طويلا. إن الشعوب الواعية لا تنظر إلى الموقف الصادق بعين الخصومة، بل بعين الامتنان، ومن هذه الزاوية، تبقى طهران في الوعي السياسي العربي والإسلامي، لدى كثيرين، عنوانا على أن المواقف الكبرى لا تقاس بعدد الخطب، بل بصدق الانحياز إلى المستضعفين المظلومين حين يصبح الانحياز مكلفا. وهذا هو جوهر البطولة: أن تصطف مع الحق حين يهرب الآخرون من ثمنه.
كاتب دمشقي حر، وفنان وطني شامل.