تشييع الإمام الخامنئي يربك ترامب... ويكشف فشل رهانات الحرب النفسية الأمريكية
مقالات
تشييع الإمام الخامنئي يربك ترامب... ويكشف فشل رهانات الحرب النفسية الأمريكية
د. هناء سعادة
5 تموز 2026 , 14:33 م

بقلم د. هناء سعادة

لم تكن التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أبدى فيها "دهشته" و"استغرابه" من الحشود الإيرانية المليونية التي خرجت لتشييع الإمام الراحل علي الخامنئي، مجرد تعليق عابر على مشهد جنائزي، بل شكلت اعترافاً سياسياً نادراً بانهيار إحدى أكثر الفرضيات رسوخاً في العقل الاستراتيجي الأمريكي تجاه الجمهورية الإسلامية. فقد أقرّ ترامب، بصورة غير مباشرة، بأن التقديرات التي بُنيت عليها رهانات الضغوط القصوى، والعقوبات، والحرب النفسية، وافتراض قرب انهيار النظام السياسي الإيراني، كانت تعاني خللاً بنيوياً في فهم طبيعة العلاقة بين القيادة والشعب داخل إيران.

لقد ظنّ ترامب، كما صرّح بنفسه، أن الشعب الإيراني يكنّ العداء لقيادته، وأن أي أزمة أو مواجهة خارجية ستؤدي تلقائياً إلى تفكك الجبهة الداخلية وانفجار احتجاجات تطيح بالنظام. غير أن مشهد التشييع الجماهيري قلب هذه المعادلة رأساً على عقب، وحطم سردية طالما روجت لها مراكز التفكير الغربية ووسائل الإعلام الدولية، والتي صورت المجتمع الإيراني باعتباره مجتمعاً منفصلاً عن قيادته، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها.

إن الحشود المليونية التي ملأت الشوارع والساحات لم تكن مجرد تجمّع عاطفي فرضته لحظة الفقد، وإنما كانت استفتاءً شعبياً واسع النطاق على مكانة الإمام في الوعي الجمعي الإيراني. فقد تجلت في ذلك المشهد علاقة تتجاوز مفهوم السلطة السياسية التقليدية، لتلامس أبعاداً حضارية وثقافية وعقائدية، حيث يُنظر إلى القيادة بوصفها رمزاً للاستقلال الوطني، والسيادة، والمقاومة، وصون الهوية الإسلامية والثورية.

لقد استطاع الإمام علي الخامنئي، على امتداد عقود، أن يؤسس لنموذج قيادي استثنائي، جمع بين المرجعية الدينية والرؤية الاستراتيجية، وبين الخطاب التعبوي والمشروع الحضاري. فلم يكن خطابه مجرد خطاب سياسي مرحلي، بل كان خطاباً نهضوياً متكاملاً يستنهض طاقات الأمة، ويعزز ثقافة الاعتماد على الذات، ويرسخ مفاهيم الصمود، والاكتفاء العلمي، والسيادة الوطنية، ومقاومة الهيمنة الأجنبية. ومن هنا، لم يكن تأثيره محصوراً في مؤسسات الدولة، بل امتد ليشكل جزءاً من البناء الفكري والنفسي للمجتمع الإيراني.

لقد كان الإمام يخاطب الشعب بوصفه شريكاً في صناعة التاريخ، لا مجرد جمهور يتلقى التعليمات. ولذلك تحولت رسائله إلى مشروع تعبوي طويل الأمد، يقوم على تعبئة الإرادة الوطنية، وتعزيز الثقة بالنفس، وربط الأجيال الجديدة بقيم الثورة والاستقلال، وتحويل الضغوط الخارجية إلى حوافز للإبداع والإنتاج والتقدم العلمي. ولهذا السبب لم تستطع العقوبات، رغم قسوتها، أن تنتج الانهيار الذي راهنت عليه واشنطن، بل أسهمت في تعزيز التماسك الداخلي وتغذية روح التحدي.

وتكشف تصريحات ترامب عن فجوة معرفية عميقة داخل دوائر صنع القرار الغربية، التي كثيراً ما تعاملت مع إيران من خلال نماذج تحليلية مستوردة، وأسقطت عليها تجارب دول أخرى دون إدراك خصوصيتها التاريخية والثقافية. فقد افترضت هذه الدوائر أن الضغوط الاقتصادية كفيلة بتحويل الشعب إلى أداة لإسقاط النظام، لكنها تجاهلت أن المجتمعات التي تمتلك سردية وطنية قوية، وهوية حضارية راسخة، وقيادة تحظى بشرعية رمزية، غالباً ما تعيد إنتاج وحدتها كلما تعرضت لتهديد خارجي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن ترامب لم يكتف بالاعتراف بالمفاجأة، بل كشف، من حيث لا يدري، حجم الفشل الاستخباراتي والإعلامي الذي سبق هذه التقديرات. فلو كانت الصورة التي نُقلت إليه عن الداخل الإيراني دقيقة، لما بدا مذهولاً أمام مشهد الملايين الذين خرجوا طوعاً لتوديع قائدهم. وهذا يعني أن أدوات الرصد والتحليل الغربية أخفقت في قراءة المزاج الشعبي الحقيقي، وأسرت نفسها داخل فقاعات إعلامية كانت تعكس ما ترغب في تصديقه أكثر مما تعكس الواقع.

إن مشهد التشييع أثبت أن الرهان على كسر إرادة الشعب الإيراني كان رهاناً خاسراً منذ البداية. فالإرادة الجمعية التي تشكلت عبر عقود من الحروب والعقوبات والضغوط لم تتآكل، بل ازدادت صلابة. وقد برهنت الجماهير، بحضورها الكثيف، أن العلاقة مع القيادة ليست علاقة مصلحة آنية، وإنما علاقة وفاء لمشروع وطني يعتبر الاستقلال والسيادة خطوطاً حمراء لا يمكن التفريط فيها.

كما أعاد ذلك المشهد التأكيد على أن مفهوم الشرعية في إيران لا يمكن قياسه فقط بالمؤشرات السياسية الغربية أو بالنظريات الليبرالية التقليدية، بل يرتبط بمنظومة معقدة من القيم الدينية، والرموز الثورية، والذاكرة الجماعية، والتجربة التاريخية في مواجهة التدخلات الأجنبية. ومن دون فهم هذه المنظومة، ستظل القراءات الغربية عاجزة عن تفسير السلوك السياسي للمجتمع الإيراني.

وفي هذا السياق، لا تبدو دهشة ترامب مجرد انطباع شخصي، بل تمثل شهادة سياسية على انهيار سردية استثمرت فيها الولايات المتحدة سنوات طويلة، وأنفقت عليها مليارات الدولارات في العقوبات والحرب الإعلامية والحملات النفسية. فقد جاء المشهد الشعبي ليؤكد أن التماسك الوطني لا يُقاس بحجم الضغوط الخارجية، بل بعمق الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وبقدرة المشروع الوطني على إنتاج الولاء والانتماء.

لقد أثبتت جنازة الإمام علي الخامنئي أن الشعوب لا تُهزم بمجرد العقوبات، ولا تنهار بمجرد الحملات الإعلامية، وأن الأمم التي تبني مشروعها على الهوية والاستقلال والسيادة تمتلك قدرة استثنائية على إعادة إنتاج قوتها في أحلك الظروف. أما الرهان على إسقاط الأنظمة عبر إنهاك الشعوب نفسياً واقتصادياً، فقد تلقى في ذلك اليوم ضربة رمزية وسياسية مدوية، عندما تحولت شوارع إيران إلى رسالة جماعية تؤكد أن إرادة الشعوب أقوى من رهانات الخارج، وأن القراءة الخاطئة للوعي الشعبي تقود، في نهاية المطاف، إلى سياسات خاطئة ونتائج أكثر إخفاقاً.