مدينون لكم…
مقالات
مدينون لكم…
عباس المعلم
5 تموز 2026 , 14:38 م

ليست عبارة “مدينون لكم” مجرد شعار يُرفَع إلى جانب صور الشهداء، بل هي عهدٌ أخلاقي ومسؤولية مستمرة. والسؤال الحقيقي هو: كيف يكون الوفاء لهذا الدَّين؟ أبرثاءٍ جميل، ونشرٍ للصور، واستحضارٍ للذكريات؟ كل ذلك نبيل، لكنه وحده لا يكفي.

ثمة أمانة أعظم تركها الشهداء في أعناقنا، تتمثل في أهلهم وعائلاتهم، ولا سيما أبناؤهم. هؤلاء الأطفال لا يدرك أحد على وجه الدقة حجم الفقد الذي يسكن نفوسهم، ولا عمق الفراغ الذي خلّفه غياب الأب في تكوينهم النفسي والعاطفي.

إنهم لا يحتاجون إلى مظاهر الترحيب العابرة، ولا إلى الهدايا الموسمية أو القبلات على الرؤوس بقدر حاجتهم إلى منظومة اجتماعية ومهنية متكاملة، تقوم على أسس علمية وواقعية، وتؤمّن لهم دعماً نفسياً مستداماً، يساعدهم تدريجياً على تجاوز مراحل الصدمة والحزن، وبناء القدرة على التكيّف واستعادة الشعور بالأمان والثقة بالحياة. فالدعم النفسي المبكر، واستمرار الاحتضان الاجتماعي، من أكثر العوامل التي تعزز المرونة النفسية لدى الأطفال وتخفف من الآثار البعيدة للفقد.

صحيح أن لا شيء يعوّض الأب، ولا أحد يمكنه أن يملأ مكانه، لكن يبقى على المؤسسات المعنية، وعلى المجتمع الذي يفخر بشهدائه، واجبٌ أخلاقي وإنساني يتمثل في توفير بيئة حاضنة لهؤلاء الأبناء، عبر إنشاء برامج ومؤسسات متخصصة تُعنى باحتياجاتهم النفسية، والتربوية، والاجتماعية، والرياضية والترفيهية، بما يضمن نمواً سليماً ومتوازناً لشخصياتهم.

إن فقدان الطفل لوالده ليس حدثاً عابراً يطويه الزمن تلقائياً، ولا يمكن اختزاله بعبارة: “سيكبرون وينسون.” فمثل هذه الخسارة تترك آثاراً عميقة في الوجدان والسلوك وتشكيل الشخصية، ولا يخفف وطأتها إلا احتضانٌ واعٍ، وعملٌ مؤسسي جاد، يترجم معنى الوفاء للشهداء من شعارٍ يُقال، إلى مسؤوليةٍ تُمارس.

عباس المعلم - كاتب سياسي