مشروعهم: بيرة وويسكي على شواطىء حيفا… ووطنٌ في المجارير ..!؟
مقالات
مشروعهم: بيرة وويسكي على شواطىء حيفا… ووطنٌ في المجارير ..!؟
عباس المعلم
12 تموز 2026 , 17:53 م

لم يعد الخلل السياسي في لبنان مجرّد اختلافٍ في الاستراتيجيات أو تباينٍ في المشاريع، بل انحدر إلى مستوىٍ من الانحلال السياسي والأخلاقي يصعب العثور له على توصيفٍ يوازي قبحه.

لقد بلغ الأمر حدّ أن جزءًا من التركيبة السياسية بات يسعى إلى اقتلاع هذا البلد من هويته وعمقه الحضاري، وإعادة تعريف عدوّه، وتسليم قراره الوطني ومستقبله لسلسلةٍ من الوصايات، يتقدّمها الاحتلال القائم، ويوازيها استدعاء جماعاتٍ أصولية تكفيرية لا تعرف من العمران إلا إحراقه، ولا من الإنسان إلا قطع الرؤوس وسفك الدماء. وكل ذلك يُقدَّم للرأي العام بوصفه مشروعًا للسلام والانفتاح والحداثة.

أما المفارقة التي تكاد تفوق الخيال، فهي أن ينتهي هذا الانحدار كلّه إلى طموحٍ بائس لا يتجاوز رغبة بعضهم في احتساء كأسٍ من البيرة أو الويسكي على شواطئ نهاريا أو حيفا أو تل أبيب، وكأن أوطان الشعوب، وتاريخها، وسيادتها، ليست سوى ثمنٍ مقبول لنزوةٍ استهلاكية عابرة.

والأشد إثارةً للسخرية أن هؤلاء لا يطلبون من التاريخ أن يغفر لهم، بل يريدون منه أن يصفّق لهم. يحاولون إقناع اللبنانيين بأن التفريط يُسمّى واقعية، والارتهان يُسمّى سيادة، وإعادة تعريف العدو تُسمّى شجاعة سياسية. إنهم لا يكتفون بتبديل المواقف، بل يسعون إلى تزوير معاني الكلمات نفسها، وكأن الهزيمة يمكن أن تُسوَّق باعتبارها انتصارًا، وأن الانبطاح يتحول إلى فضيلة بمجرد أن يُغلَّف بشعارات «السلام» و«الحداثة»، أو يُقدَّم في كأسٍ من الويسكي على شاطئٍ يحتله العدو.

ولعلّ من الأنسب لهؤلاء، قبل الانشغال برسم خرائط الحانات التي يحلمون بالجلوس فيها، أن يؤسسوا أولًا شبكةً وطنيةً لتصريف الصرف الصحي السياسي، وأن يقيموا محطاتٍ متطورةً لتكرير الرواسب الفكرية والأخلاقية التي طفحت في خطاباتهم؛ فالعفن الحقيقي لا يجري في المجارير، بل في العقول التي ترى أن السيادة تُستبدل بزجاجة، وأن الكرامة الوطنية تُقايض بمقعدٍ على شاطئٍ يحتله العدو. وربما، قبل أن يبحثوا عن الشاطئ الذي سيحتسون عليه كأسهم، يجدر بهم أن يعثروا على محطةٍ قادرةٍ على تنقية هذا المستنقع الفكري الذي يفيض من رؤوسهم؛ فبعض الرواسب لا تنفع معها محطات التكرير، لأنها ليست نفاياتٍ عابرة، بل تحلّلٌ أصاب البوصلة الأخلاقية والوعي الوطني حتى باتت المجارير، على ما فيها من قذارة، أشرف من الخطاب الذي يُبرّر بيع الأوطان ويزيّنه.

عباس المعلم - كاتب سياسي