إيران من ملحمة الوفاء...إلى مواجهة الأعداء
مقالات
إيران من ملحمة الوفاء...إلى مواجهة الأعداء
عبدالله علي هاشم الذارحي
19 تموز 2026 , 21:05 م

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي

لم يكن بيان قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، الصادر عقب الملحمة الجماهيرية الكبرى لتشييع شهيد إيران العزيز وإمام المستضعفين، مجرد رسالة شكر للشعب الإيراني، إنما جاء وثيقة سياسية وفكرية واستراتيجية، رسمت معالم المرحلة المقبلة، وحددت الأولويات الوطنية والإقليمية، وأكدت أن رحيل القادة لا يوقف مسيرة الثورة، لكن يزيدها رسوخًا وصلابة.

لقد انطلق البيان من الإشادة بالمشهد الشعبي غير المسبوق، معتبرًا أن عشرات الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع لم يشاركوا في مراسم تشييع عادية، وإنما جددوا البيعة لمبادئ الثورة الإسلامية، وأعلنوا تمسكهم بخيار الاستقلال والعزة والسيادة، وجسدوا أسمى معاني الوفاء للقائد الشهيد، في رسالة واضحة بأن القيادة قد ترحل، أما المشروع الذي ضحّت من أجله فيبقى حاضرًا في ضمير الأمة وإرادتها.

ويؤكد البيان أن هذه الملحمة الشعبية لم تكن حدثًا داخليًا فحسب، فقد حملت رسائل متعددة إلى العالم؛ إذ أبهرت الأصدقاء وأحرار العالم، وفي المقابل أربكت الأعداء الذين كانوا يراهنون على إضعاف إيران أو إحداث فراغ سياسي وشعبي بعد استشهاد قائدها، فإذا بهم يشاهدون شعبًا أكثر تماسكًا وإصرارًا.

وفي الجانب السياسي، وضع البيان امريكا في قلب المسؤولية عن التصعيد، مؤكدًا أن نكثها المتكرر للعهود والاتفاقات أثبت مرة أخرى أنها دولة لا تلتزم بوعودها، وأن توقيع رؤسائها لا يمثل ضمانة يمكن الوثوق بها.

ومن خلال ذلك، أعاد البيان التأكيد على رؤية تعتبر أن التجارب المتراكمة مع واشنطن أثبتت استحالة بناء الثقة معها، وأن نهجها قائم على الهيمنة والخداع والضغط، وليس على الالتزام بالقانون أو الاتفاقات.

ولم يتوقف البيان عند توصيف السلوك الأمريكي، إنما وجه رسالة ردع واضحة، مفادها أن الشعب الإيراني وجبهات المقاومة اكتسبا من التجارب السابقة من القوة والخبرة والإرادة ما يجعل أي مغامرة جديدة مكلفة على المعتدين، وأن الميدان أثبت خلال الأيام الماضية جاهزية قوى المقاومة وقدرتها على الرد.

ومن أهم مضامين البيان دعوته الصريحة إلى جعل الوحدة الوطنية أولوية المرحلة.

ولذلك شدد البيان على ضرورة الحفاظ على وحدة الكلمة بين الشعب والمسؤولين، باعتبارها الضمانة الأساسية لصيانة استقلال إيران وعزتها.

وفي هذا السياق، قدم البيان رؤية متوازنة تجاه النقد الداخلي، فلم يدعُ إلى إسكات الأصوات الناقدة، لكنه اعتبر النقد الهادف رصيدًا إيجابيًا يسهم في تطوير الأداء، واكد على وضع ضوابط أخلاقية ووطنية، للنقد أهمها ألا يتحول إلى ظلم أو إساءة للأبرياء، وألا يؤدي إلى إضعاف الوحدة الداخلية أو تقديم إشارات يستفيد منها العدو، وهو طرح يعكس محاولة الجمع بين الإصلاح الداخلي والمحافظة على التماسك الوطني.

كما حمل البيان رسالة ثقة بالمؤسسات الدستورية، داعيًا الشعب إلى مواصلة دعم المسؤولين المخلصين في السلطات المختلفة، والعمل معهم من أجل حماية مصالح البلاد، مع التأكيد أن اليقظة الشعبية والرقابة الوطنية تبقيان عنصرًا أساسيًا في نجاح الدولة والثورة.

ولم يغفل البيان البعد الإقليمي، حين وجّه التحية إلى قادة وممثلي جبهة المقاومة والحركات الإسلامية الذين شاركوا في مراسم التشييع، وهو ما يعكس استمرار ارتباط إيران بمحور المقاومة، ويؤكد أن العلاقات التي أرساها القائد الشهيد ليست علاقات ظرفية، وإنما مشروع استراتيجي يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة الآنية.

واختتم البيان برسالة وفاء وشكر إلى جميع فئات الشعب والمؤسسات المدنية والعسكرية والعلماء والنخب، مؤكدًا أن الملحمة الشعبية التي شهدتها إيران ستبقى محطة تاريخية فارقة، وأنها ليست نهاية مرحلة، إنما بداية مرحلة جديدة من الصمود والعمل والثبات.

إن أبرز ما يمكن استخلاصه من هذا البيان هو أنه رسم ملامح المرحلة المقبلة في أربعة عناوين رئيسية هي:

1ـ الوفاء لنهج القائد الشهيد.

2ـ عدم الثقة بالسياسة الأمريكية.

3ـ تعزيز الوحدة الوطنية.

4ـ الاستمرار في دعم محور المقاومة.

وهي عناوين تؤكد أن إيران تسعى إلى تحويل لحظة الفقد إلى لحظة قوة، وإلى تحويل الحزن الشعبي إلى طاقة سياسية ووطنية تعزز صمودها في مواجهة التحديات.

وهكذا، جاء البيان ليقول بوضوح: إن الدماء الزكية لا تصنع المآتم، لكن تصنع الأمم، وإن الشهداء لا يورثون الهزيمة، إنما يورثون العزة وطريق النصر على الاعداء.