استشهاد الإمام الخامنئي يصنع تحولات تتجاوز حدود الزم
مقالات
استشهاد الإمام الخامنئي يصنع تحولات تتجاوز حدود الزم

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي؛

ليست كل الشخصيات السياسية تقاس بمدة وجودها في الحياة، وإنما بحجم الأثر الذي تتركه في حاضر الأمة ومستقبلها.

فهناك قادة يرحلون فتطوى صفحاتهم، وآخرون يتحول رحيلهم إلى محطة فاصلة تعيد رسم موازين القوى وتمنح مشاريعهم زخمًا جديدًا.

ومن هذا المنطلق جاءت تصريحات عضو المجلس السياسي الأعلى محمد صالح النعيمي لتقدم قراءة سياسية تتجاوز الحدث إلى ما بعده، مؤكدًا أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي لم يكن نهاية لمسيرة، لكنه بداية لمرحلة أكثر تماسكًا وصلابة في الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة.

لقد أكد النعيمي أن الإمام الشهيد كان قائداً استثنائيًا، استطاع أن يقود إيران خلال أكثر المراحل تعقيدًا، وأن يرسخ معادلات جديدة في المنطقة، عنوانها استقلال القرار الوطني، ودعم قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومساندة قوى المقاومة في مواجهة المشروع الصهيو أمريكي.

وإذا كان أعداء الأمة قد راهنوا على أن استشهاد القادة سيحدث فراغًا سياسيًا وانقسامًا داخليًا، فإن المشهد الإيراني جاء معاكسًا تماماً لتلك الرهانات.

فقد أظهرت الحشود المليونية التي شاركت في مراسم التشييع، وما رافقها من اصطفاف سياسي وشعبي، أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تهزمها الاغتيالات، بل تتحول دماء قادتها إلى عامل جديد لتعزيز الوحدة الوطنية وتجديد العهد بمواصلة الطريق.

وهذا ما ينسجم مع ما أكده الشهيد القائد -رضوان الله عليه-، حين قال"الطغاة يراهنون على قتل الرجال، لكنهم يعجزون عن قتل المبادئ".

فالمشروع الذي يقوم على العقيدة والوعي لا يتوقف برحيل قائده، وإنما يزداد حضوراً واتساعاً.

كما تعكس تصريحات النعيمي قراءة أوسع للتحولات الدولية، حيث يرى أن المواجهة الأخيرة كشفت تراجع الهيمنة الأمريكية، وأثبتت أن سياسة الضغوط والعقوبات والحصار لم تعد قادرة على فرض الإرادة الأمريكية كما كانت في السابق، فكثيرًا من القوى الدولية بدأت تدرك محدودية هذا النفوذ في ظل المتغيرات المتسارعة.

أما على مستوى محور المقاومة، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن كيان العدو يواجه مرحلة غير مسبوقة من الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي، في ظل استمرار صمود الشعب الفلسطيني، وتصاعد قدرات قوى المقاومة في أكثر من ساحة، وهو ما يجعل المنطقة أمام واقع جديد يختلف جذرياً عما كان قائماً قبل سنوات.

وفي الشأن اليمني، حملت تصريحات النعيمي رسائل بالغة الأهمية، خصوصًا فيما يتعلق بوصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، باعتبارها خطوة عملية تؤكد إمكانية كسر الحصار، وأن إرادة الشعوب قادرة على فرض وقائع جديدة مهما بلغت الضغوط.

كما أوضح أن ملف الحقوق اليمنية لا يزال يحظى بالأولوية، وأن صنعاء ستواصل منح الفرصة للمسار الدبلوماسي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن حقها المشروع في انتزاع حقوق الشعب اليمني إذا تعثرت الجهود السياسية، وهو موقف يعكس الجمع بين الحكمة في إدارة الصراع، والجاهزية للدفاع عن الحقوق الوطنية.

لقد أكد سيد القول والغعل في أكثر من مناسبة أن"الحقوق لا تُمنح لمن ينتظرها، وإنما تنتزع بالإرادة والثبات والصمود".

وهو ما ينسجم مع ما أشار إليه النعيمي بشأن امتلاك اليمن خيارات متعددة للدفاع عن مصالحه وسيادته.

إن ما تشهده المنطقة اليوم لم يعد مجرد أحداث متفرقة،وإنما مخاضًا لتحولات استراتيجية كبرى، تتراجع فيها مشاريع الهيمنة تدريجياً، مقابل صعود إرادة الشعوب الباحثة عن الاستقلال والسيادة.

ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه المرحلة أن استشهاد القادة لا يوقف مسيرة الأمم إذا كانت تمتلك مشروعًا حيًا، وأن محاولات كسر إرادة الشعوب كثيرًا ما تنقلب إلى أسباب لتعزيز صمودها وتماسكها.

وإذا كانت إيران الإسلام قد واجهت هذه المرحلة بوحدة داخلية غير مسبوقة، فإن اليمن، وفلسطين، وسائر قوى المقاومة، تؤكد أن معركة الأمة لم تعد معركة حدود أو جغرافيا،لكنها معركة استقلال وكرامة وسيادة، وأن النظام الإقليمي الجديد لن تصنعه قوى العدوان، لكن تصنعه الشعوب التي ترفض الوصاية، وتؤمن بالله وتثق به وتتوكل عليه ستصنع مستقبلها بيديها،

فـ يدُ تحمي ويدُ تبني.