ليس كلُّ الراحلين يتركون خلفهم جنازة، فبعضهم يترك خلفه عصرًا كاملًا يتقدّم نحو قبره.
وليس كلُّ الموت نهاية، فهناك موتٌ يشبه انطفاء شمسٍ كانت، وإن اختلف الناس حول دفئها، ترسم اتجاه النهار.
اليوم، لا أبكي رجلًا فحسب... بل أبكي زمنًا كان إذا اشتدّت فيه العواصف وقف كالجبل، وإذا ارتجفت القلوب تكلّم بثبات، وإذا باع كثيرون مواقفهم في دكاكين السياسة بقي متمسكًا بما آمن به حتى آخر نبضة.
وكأن الموت لم يختر جسدًا، بل اختار قلبًا كانت تتكئ عليه قلوبٌ كثيرة.
أيها السيد... كيف للأرض أن تضمَ جثمانك، وهي التي ضاقت بك حيًا؟
وكيف للسماء أن تبدو كما كانت، وقد صعد إليها وجهٌ اعتادت الأرواح أن تستدل به على الصبر؟
رحلت... لكنك لم ترحل وحدك؛ أخذت معك شيئًا من يقيننا، وشيئًا من طمأنينتنا، و أخذت ذلك الشعور الخفي بأن في هذا العالم رجلًا لا يزال يقف في وجه الريح بينما الجميع ينحني.
ما أقسى أن يتحول الصوت إلى صدى، والهيبة إلى ذكرى، والموعد إلى قبر، والانتظار إلى دعاء.
كنت حاضرًا في وجدان محبيك أكثر مما كنت حاضرًا في نشرات الأخبار.
كنت بالنسبة إليهم أبًا حين يتكاثر اليتم، وأملاً حين تتكاثر الخيبات، وسنداً حين تتوالى الانكسارات ؟وقنديلًا كلما أوغلت الليالي في ظلمتها انبثقت نوراً.
ونحن السوريين... كان حزننا مضاعفًا.
لم نبكِ قائدًا رأينا فيه نصيرًا لقضية آمن بها فحسب، بل بكينا آخر نافذةٍ كنا نظن أن الضوء ما زال يتسلل منها إلينا.
شعرنا أن الغربة ازدادت غربة، وأن اليتم صار يتمين؛ يتم الوطن، ويتم السند.
كم هو موجع أن تتراكم الفواجع حتى يصبح القلب مقبرةً تمشي على قدمين.
من رحيل قادةٍ كبار، إلى انهيار أوطان، إلى اتساع دائرة الفقد... حتى بتنا كلما تعلمنا الصبر، جاء القدر ليرى كيف سنصبر أكثر.
ومن حكمة الدهر أن العظماء لا يقاسون بعدد السنوات التي عاشوها، بل بعدد القلوب التي تركوا فيها ندبة.
والندبة لا تؤلم لأنها جرح... بل لأنها كانت يومًا حياة كاملة.
نم قرير العين... فما زالت الدموع تعرف اسمك، وما زالت الدعوات تصعد إليك كما تصعد رائحة المطر من ترابٍ عطشان.
وإن كانت الأجساد تُوارى في الثرى، فإن المواقف لا يدفنها التراب، وإن كانت الأصوات تخفت، فإن الأثر يبقى يتردد في الأرواح كما يتردد الأذان في الوديان بعد أن يغيب من حمل بندقيته و صاح الله أكبر.
سلامٌ على روحٍ رحلت، وبقيت. وغابت، وحضرت. وصمتت، لكنها تركت في القلوب حديثًا لن ينتهي.
#محمود_موالدي