”مقاربة فلسفية في هيرمينوطيقا الانتماء، وإبستمولوجيا السيادة، وسيميولوجيا التلاحم الوطني؛ حيث تتوحد الارادة، فتستعصي الأوطان على الهيمنة والاختراق."
ليست الأوطان رقع جغرافية تحدد بالخرائط، وإنما ذاكرة مشتركة، وهوية راسخة، ورسالة تتوارثها الأجيال. فإذا تفرقت القلوب، تزعزعت الأسس، وإذا تآلفت الأرواح، استقام البنيان. قال تعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، فالوحدة ليست شعارا يرفع. بل منظومة أخلاقية، ورؤية حضارية، ومسؤولية جماعية. ومن هنا تبدأ فلسفة الانتماء؛ إذ يغدو الإنسان شريكا في صيانة وطنه، وحارسا لقيمه، وبانيا لمستقبله، فلا يفسح مجالا للفرقة، ولا يترك ثغرة للخصومة، ولا يسمح لليأس أن يطفئ شعلة الأمل.
إن الإبستمولوجيا الوطنية تؤكد أن الوعي هو الركيزة الأولى لكل نهضة، وأن المعرفة إذا اقترنت بالإخلاص، صنعت مجتمعا عصيا على الانقسام.
أما السوسيولوجيا الحضارية، فتكشف أن قوة الأمم تنبع من تماسك نسيجها، وعدالة مؤسساتها، وثقة أفرادها بعضهم ببعض، قبل أن تقاس بما تملكه من موارد وامكانات.
ومن منظور الهيرمينوطيقا، لا يكتمل معنى الانتماء إلا حين يتحول إلى سلوك يومي؛ احترام للقانون، واتقان للعمل، وصيانة للمتلكات العامة، وتعاون في أوقات الرخاء والشدة. كما أن السيميولوجيا تعلمنا أن رموز الوحدة ليست كلمات تردد، بل ممارسات تجسدها الأخلاق، ويؤكدها العطاء، ويزكيها الصدق.
وفي المقابل، تبقى الشائعات، وخطابات الكراهية، ودعوات الفتنة، وأفعال الخيانة، من أخطر ما يهدد المجتمعات لأنها تستهدف الثقة قبل أن تستهدف المؤسسات، ولهذا فإن اليقظة، والنقد المسؤول، والحوار الرشيد، والتربية على المواطنة، تمثل جميعها خطوط الدفاع الأولى عن الاستقرار، وتغلق منافذ الاختراق، وتحصن الأجيال من التضليل.
كما أن الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والصناعة والزراعة، وتنمية الكفاءات، يفتح آفاقا أوسع للتقدم، ويمنح الوطن قدرة أكبر على الاعتماد على موارده وعقول أبنائه، ويجعل التنمية ثمرة للعمل المشترك لا أمنية مؤجلة.
قال سبحانه: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. إنها دعوة إلى أن يبدأ الإصلاح من الضمير، وأن تنطلق النهضة من الفكر، وأن تتجسد القوة في التماسك، والتكافل، والإخلاص، والعمل. فحين تتحد الأرواح على قيم الحق والخير والإصلاح والصلاح للبلاد وللعباد، وتتآلف النفوس على خدمة الوطن، تصبح وحدة الصف ثمرة طبيعية، ويغدو المستقبل أكثر رسوخا، وتتحول الإرادة إلى إنجاز، والانتماء إلى بناء، والوطن إلى بيت آمن يتسع للجميع ويواصل مسيرته بثقة نحو العزة والازدهار.
فلنجعل التآخي عهدا، والتكاتف نهجا، والتضامن ميثاقا، ولنجتمع على الحكمة والإخلاص والعمل، فبوحدة القلوب تسمو الأوطان، وبصدق العزائم يزهر المستقبل. ومن هذه العبر لنا في شعب إيران العريق المثال المحتذى به والقدوة والأسوة الحسنة المقتدى بها، حيث التف هذا الشعب العظيم كجسد واحد حول مؤسساته، معانقا جيشه بإخلاص وتلاحم جاعلا من الوحدة درعا وروحا تقود الصمود ضد قوى الهيمنة والتوسع والعدوان.
كاتب دمشقي حر.