قمة أنقرة ... الناتو يعيد رسم خرائط الأمن الدولي
مقالات
قمة أنقرة ... الناتو يعيد رسم خرائط الأمن الدولي
وائل المولى
8 تموز 2026 , 13:30 م

لم تكلمن قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة مجرد اجتماع دوري لقادة الدول الأعضاء، بل بدت أقرب إلى إعلان عن مرحلة جديدة في العقيدة الاستراتيجية للحلف، تتجاوز الحرب في أوكرانيا نحو إعادة صياغة منظومة الأمن الدولي في ظل تصاعد التوتر مع إيران، وعودة الشرق الأوسط إلى قلب الحسابات الغربية.

الرسائل التي خرجت من أنقرة أوضحت أن الناتو يسعى إلى ترميم تماسكه الداخلي بعد سنوات من الخلافات، وهو ما عبّر عنه وزير الدفاع البلجيكي بتأكيده أن أولوية القمة هي إظهار وحدة الحلف وتعزيز التعاون والإنتاج العسكري والإنفاق الدفاعي، مع التركيز على الدفاعات الجوية وسلاح المسيّرات باعتبارهما عنوان الحروب الحديثة.

في المقابل، جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطاب لا يخلو من التناقض؛ فمن جهة وجّه انتقادات حادة للحلفاء الأوروبيين، معتبراً أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر في حماية أوروبا، ولوّح مجدداً بإعادة النظر في انتشار القوات الأمريكية داخل القارة، ومن جهة أخرى حرص على إظهار متانة علاقته بتركيا، معلناً أن أنقرة ستحصل على مقاتلات F-35، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تموضع تركيا داخل المنظومة الغربية بعد سنوات من التوتر.

أما الملف الإيراني، فقد فرض نفسه بوصفه العنوان الأبرز للقمة. فقد أكد الأمين العام للناتو أن الضربات الأمريكية كانت "ضرورية"، وأن منع إيران من امتلاك قدرة نووية يمثل أولوية لأمن أوروبا وإسرائيل، في حين كشف مسؤولون في الحلف عن نقاشات تتعلق بأمن مضيق هرمز، وحرية الملاحة، وتحركات بحرية أوروبية منفردة تمهيداً لاحتمال بلورة دور أكبر للحلف إذا تطلبت التطورات ذلك.

وفي هذا السياق، لا تبدو تصريحات ترامب بشأن "القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية" أو حديثه عن أن تركيا لم تنخرط في الحرب بفضل الوساطة الأمريكية مجرد مواقف إعلامية، بل رسائل سياسية تعكس محاولة واشنطن رسم قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، يكون فيها الردع العسكري جزءاً من استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل موازين القوى.

كما أن مشاركة الرئيس السوري في أنقرة، على هامش أعمال القمة، تضيف بعداً سياسياً مهماً، يعكس أن الملف السوري لم يعد معزولاً عن ترتيبات الأمن الإقليمي، بل بات يتقاطع مع ملفات تركيا وإيران وأمن شرق المتوسط.

في المحصلة، تبدو قمة أنقرة بداية مرحلة يتحول فيها الناتو من تحالف يركز على الدفاع الأوروبي إلى إطار أوسع لإدارة الأزمات الدولية، مع انتقال مركز الاهتمام تدريجياً من حدود أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حيث تتداخل ملفات إيران وسوريا وحرية الملاحة والطاقة في معادلة أمنية واحدة قد ترسم ملامح السنوات المقبلة.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري