عبد الحميد كناكري خوجة: الزواج والجواز...بين التيسير والتعسير.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: الزواج والجواز...بين التيسير والتعسير.

”جوازات معطلة، ازدواجية السياسات بين القول الإسلامي والفعل البيروقراطي. كيف تحولت بعض القوانين والمراسيم إلى مطبات وعراقيل أمام زواج العرب والمسلمين؛ في ديار العرب والمسلمين، في وقت تسهل فيه دول كثيرة غير عربية ومنها غير إسلامية هذا الحق بوضوح واحترام."

أصبح الزواج والارتباط في بعض الدول العربية والإسلامية ملفا ثقيلا بالعراقيل، بدل أن يكون بابا طبيعيا وسهلا لكل من أراد العفة والاستقرار وبناء أسرة. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الحكومات سندا لتيسير هذا الحق، نجدها في حالات كثيرة تضع الشروط الصعبة، والاجراءات المعقدة، حتى يتحول الزواج إلى رحلة مرهقة قبل أن يبدأ.

ولا أعمم هنا على كل الدول، لكن الظاهرة موجودة في أكثر من بلد من بلاد العرب أوطاني_ وبصور مختلفة، وتكشف عن خلل واضح في طريقة التعامل مع هذا الملف فهناك من يتعامل مع الزواج بعقلية الشك والفرز والتمييز المقنع، لا بعقلية التيسير والإنصاف. والنتيجة أن كثيرا من الراغبين في الزواح، وخاصة من العرب والمسلمين المرتبطين بجنسيات أخرى، يصطدمون بعقليات غير مبررة.وكأنهم يطلبون استثناء لاحقا مشروعا. والغريب العجيب أن دولا غير عربية إسلامية ومنها غير إسلامية كثيرة تتعامل مع هذا الموضوع بقدر كبير من التنظيم والمرونة والاحترام. فتسهل الزواج بين الجنسيات المختلفة، وتتعامل مع الطرفين بروح مدنية واضحة، ودون أدنى نظرة عنصرية أو أحكام مسبقة. هناك تحترم الرغبة في الزواج، وتصان الكرامة، وتنجز الإجراءات في إطار واضح ومفهوم، بينما تصعب الأمور في بلاد الضاد بلا مبرر مقنع، وكأن الأصل هو المنع لا التيسير.

هذه السياسات، مع أسباب أخرى، ساهمت في ارتفاع مؤشر تأخر الزواج، وزيادة العزوف عن الإرتباط، وتنامي حالات المخالعات والطلاق. فالشاب اليوم يواجه أزمة مادية، وسكنا صعبا، وتكاليف مرتفعة، ومستقبلا غير مستقر، ثم تأتي بعد ذلك العراقيل الرسمية لتزيد الوضع تعقيدا، أما الفتاة المسكينة فتجد نفسها أمام تأخر الارتباط، وضغط المجتمع، وقلة الخيارات، والتقدم في العمر، ومع الوقت تتحول هذه الأزمة إلى ظاهرة اجتماعية لا يمكن تجاهلها.

كما أن الطلاق ارتفع لأسباب متعددة، أهمها ضعف الوعي الأسري، وسوء الاختيار، والضغط الاقتصادي، والتدخلات العائلية، وغياب التفاهم الحقيقي بين الطرفين، إضافة إلى أن بعض الزيجات تبدأ أصلا تحت ظروف صعبة أو بعد مسارات طويلة من التعطيل والإرهاق. وحين يبنى الزواج في أجواء مشحونة ومنهكة، يصبح هشا أمام أول اختبار.

إن المطلوب ببساطة هو أن تعامل الدول هذا الملف بوصفه حقا إنسانيا واجتماعيا، لا مجالا للتعقيد أو الفرز غير العادل. فكل حكومة تتحدث عن الأسرة والقيم، ثم تعقد طريق الزواج، تسهم عمليا في زيادة الأزمة بدل حلها. والناس لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون أن يفتح لهم باب الحلال بكرامة، وأن ترفع من طريقهم المطبات والعوائق التي لا معنى لها.

وتبقى الحكمة في أن تفتح أبواب الحلال، لا أن تغلقها البيروقراطية وتدفع الناس إلى الحيرة والعزوف. والزواج يتيسر بالعدل والوضوح، لا بالتعقيد والانتقاء، لأن المجتمع لا ينهض إلا بالأسرة. وحين تصان كرامة المقبلين على الزواج، تصان معها أخلاق المجتمع واستقراره.

كاتب دمشقي حر.