✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يكن التشييع المهيب لقائد الثورة الشهيد السيد علي خامنئي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا مجرد مراسم وداع لقائد رحل عن الدنيا، إنما كان مشهدًا تاريخيًا استثنائيًا، تجلت فيه وحدة الشعب، ووفاؤه لقيادته، وتحولت فيه الساحات والشوارع إلى استفتاء شعبي واسع يؤكد أن القادة العظماء لا تنتهي مسيرتهم برحيلهم، إنما تبدأ مرحلة جديدة من حضورهم في وجدان الأمة.
فقد احتشدت الملايين في المدن الإيرانية، ثم امتدت مراسم التشييع إلى العراق، حيث خرجت جماهير غفيرة تحمل صور الشهيد وترفع شعارات الوفاء والثبات، في مشهد تجاوز الحدود الجغرافية، ليؤكد أن مدرسة المقاومة لم تعد حكرًا على شعب أو دولة، وإنما أصبحت مشروعًا تتبناه شعوب المنطقة وقواها الحية.
لقد حملت تلك الحشود رسالة واضحة إلى العالم، مفادها أن سياسة الاغتيالات لا تستطيع إنهاء الأفكار، وأن استهداف القادة لا يؤدي إلى انكسار الشعوب،لكن يزيدها تماسكًا وإصرارًا على مواصلة الطريق.
فكم من قائد ظن الأعداء أن برحيله ستخبو جذوة المقاومة، فإذا بها تزداد اشتعالًا، ويتحول دمه إلى وقود يدفع الأجيال نحو مواصلة المسيرة.
ولعل أكثر ما لفت الأنظار في هذا التشييع التاريخي هو حجم المشاركة الشعبية والرسمية، وما رافقها من مشاعر صادقة عكست المكانة التي كان يحتلها الشهيد في قلوب أبناء الأمة.
فلم يكن قائدًا لإيران وحدها،لكنه كان رمزًا لدى كثيرين ممن رأوا فيه عنوانًا للاستقلال والكرامة ورفض الهيمنة الخارجية.
أما في العراق، فقد اكتسبت مراسم التشييع بعدًا إضافيًا، إذ استحضرت الجماهير ذاكرة التضحيات المشتركة، ووحدة الموقف في مواجهة التحديات، مؤكدة أن العلاقات بين شعوب المنطقة أقوى من كل محاولات التفريق، وأن دماء الشهداء كانت ولا تزال عاملًا جامعًا لا مفرقًا.
سياسيًا، حمل التشييع رسائل متعددة
•أولها أن محاولات كسر إرادة محور المقاومة لم تحقق أهدافها.
•وثانيها أن الرهان على إضعاف الجبهة الداخلية عبر استهداف القيادات قد سقط أمام مشهد الملايين التي خرجت لتجدد العهد على مواصلة الطريق.
•أما الرسالة الثالثة، فهي أن المعركة لم تعد معركة أشخاص، وإنما معركة مشروع متكامل يمتد بجذوره في وجدان الشعوب.
لقد أثبت هذا المشهد أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما يمتلكه من سلطة، لكن بما يتركه من أثر في النفوس، وأن الشهادة لم تكن نهاية لمسيرة الشهيد، وإنما بداية لمرحلة جديدة يتجدد فيها حضوره في الوعي الجمعي، وتتحول سيرته إلى مصدر إلهام للأجيال القادمة.
وهكذا، سيبقى التشييع التاريخي في إيران والعراق شاهدًا على أن الأمم الحية تحفظ قادتها في ذاكرتها، وأن الشهداء يصنعون بعد رحيلهم ما قد يعجز عنه الأحياء، وأن الجماهير التي ملأت الساحات لم تكن تودع رجلًا فحسب.
فالملايين أكدت تجدد البيعة لقيم العزة والاستقلال والكرامة، وتعلن أن طريق المقاومة لا يتوقف برحيل القادة، إنما يزداد رسوخًا بدمائهم الزكية، فسلام الله
عليهم ونحن على خطاهم حتى النصر.