هرمز يشتعل ... والشرق الأوسط على أبواب الحرب الكبرى
مقالات
هرمز يشتعل ... والشرق الأوسط على أبواب الحرب الكبرى
وائل المولى
12 تموز 2026 , 15:45 م

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عندما يصمت السلاح، بل عندما تتغير موازين القوة. وما يجري اليوم بين واشنطن وطهران يوحي بأن الهدوء الذي أعقب المواجهات الأخيرة لم يكن سوى هدنة مؤقتة، فيما تعود المنطقة تدريجياً إلى حافة تصعيد قد يكون أكثر خطورة من كل ما سبق. فالمنطقة تقف اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع القوة العسكرية، وتصبح أي شرارة صغيرة قادرة على إشعال مواجهة واسعة تتجاوز حدود الخليج.

لم يعد النزاع يدور حول البرنامج النووي الإيراني وحده، بل انتقل إلى معركة أكثر حساسية تتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز، الشريان الذي يعبر من خلاله جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وبذلك، لم يعد أمن الملاحة ملفاً فنياً أو اقتصادياً، بل تحول إلى عنوان الصراع الرئيسي، وإلى معيار تقيس من خلاله القوى الكبرى مدى قدرة خصومها على فرض الإرادة أو التراجع.

الولايات المتحدة رفعت سقف مطالبها بصورة غير مسبوقة. فإدارة الرئيس دونالد ترامب لا تكتفي بالعودة إلى المفاوضات، بل تشترط إعلاناً إيرانياً واضحاً يؤكد فتح مضيق هرمز، والالتزام بعدم استهداف السفن التجارية، معتبرة أن حرية الملاحة تمثل الاختبار الحقيقي لأي تفاهم سياسي. كما منحت فريقها التفاوضي مهلة محدودة، بالتوازي مع إعداد خيارات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية في حال فشل المحادثات، في رسالة تعكس أن واشنطن تتفاوض من موقع الضغط لا من موقع البحث عن تسوية بأي ثمن.

في المقابل، تؤكد طهران أنها أوفت بالتزاماتها، وأن الولايات المتحدة هي التي خرقت مذكرات التفاهم السابقة، رافضة أي حديث عن تفتيش منشآتها النووية التي تعرضت للقصف، ومشددة على أن الالتزام يجب أن يكون متبادلاً. كما حملت زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى مسقط رسالة واضحة مفادها أن إيران ما زالت تمنح الوساطة العُمانية فرصة، لكنها لن تقدم تنازلات مجانية تحت وقع التهديد.

غير أن التطورات الميدانية تجاوزت لغة البيانات. فإعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، واعتراض سفن وإطلاق النار على بعضها، ثم اتهامه باستهداف سفينة تجارية، دفع القيادة المركزية الأمريكية إلى تنفيذ جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد أهداف داخل إيران. وفي الوقت ذاته، جاءت تهديدات ترامب بأن الجيش الأمريكي مستعد لتوجيه ضربات واسعة إذا استمرت طهران في التصعيد، لتؤكد أن المنطقة عادت إلى سياسة حافة الهاوية.

في المقابل، رفعت القيادة الإيرانية سقف خطابها، مؤكدة أن الرد على الضربات الأمريكية لن يتوقف، وأن "الانتقام" بات جزءاً من معادلة الردع. كما شددت على أن أمن إيران لا ينفصل عن أمن الخليج، وأن أي تدخل عسكري جديد سيقابل برد مباشر، وهو ما يعني أن ساحات المواجهة قد لا تبقى محصورة في مياه هرمز، بل قد تمتد إلى مسارح إقليمية أخرى.

وفي خضم هذا التصعيد، برزت سلطنة عُمان مجدداً كقناة الاتصال الأكثر أهمية بين الطرفين، مدعومة بتحركات قطر، والدعم السعودي لخفض التصعيد، واتصالات باكستان التي دعت إلى منح الوساطة مزيداً من الوقت. ويعكس هذا الحراك إدراكاً إقليمياً بأن أي انفجار في هرمز لن يقتصر أثره على إيران والولايات المتحدة، بل سيهدد أسواق الطاقة العالمية، ويضع المنطقة أمام أزمة اقتصادية وأمنية غير مسبوقة.

وفي الخلفية، تتشابك ملفات أخرى لا تقل حساسية، من الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، إلى استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله، بما يجعل أي مواجهة أمريكية ـ إيرانية مرشحة للتمدد إلى ساحات متعددة، وهو ما يرفع كلفة الحرب ويجعل احتوائها أكثر صعوبة.

المؤشرات الحالية لا تعني أن قرار الحرب قد اتُخذ، لكنها تؤكد أن فرصها تتزايد مع كل ساعة. فاللغة العسكرية تتقدم على لغة السياسة، وخيارات الرد أصبحت جاهزة لدى الطرفين، بينما يضيق هامش المناورة الدبلوماسية بصورة متسارعة.

قد لا تكون الشرارة المقبلة ضربة على منشأة نووية أو اغتيال شخصية بارزة، بل حادثة بحرية في مضيق هرمز، أو خطأ في الحسابات العسكرية، أو انهيار آخر خيط يربط التفاوض بالواقع الميداني. وعندها، لن يكون السؤال ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل كيف سيكون شكلها، ومن هي الأطراف التي ستنخرط فيها، وإلى أي مدى ستعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وربما في النظام الدولي بأسره.