✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يكن استهداف السعودية لمطار صنعاء الدولي حدثاً عسكريًا عابرًا يمكن عزله عن سياق اعتباره تحولًا سياسيًا وعسكريًا يعيد إلى الواجهة سؤال السيادة الوطنية، ويضع مسار التهدئة أمام اختبار بالغ الحساسية.
لقد أكدت المواقف الرسمية اليمنية أن استهداف مطار صنعاء في لحظة كانت طائرة إيرانية تقل وفدًا رسميًا وعددًا من المرضى والعالقين عائدة إلى أرض الوطن، ليس حادثة منفصلة، وإنما امتداد لسياسة الحصار التي بدأت منذ سنوات.
وأن إعادة قصف المطار بعد هدنة عام 2022 تؤكد ان السعودية لا تزال تراهن على القوة العسكرية لإبقاء اليمن تحت الضغط، بدلًا من المضي في تنفيذ استحقاقات السلام ورفع القيود عن المطارات والموانئ.
بالمقابل،عملية تحليق الطائرة الإيرانية في الأجواء اليمنية وحطت بسلام في مطار الحديدة، حملت دلالة سياسية ومعنوية، إذ عكست أن محاولات المنع لم تحقق الغاية المعلنة، وأن الإرادة اليمنية استطاعت تجاوز العقبات رغم القصف السعودي الغادر.
إن أخطر ما في هذا التطور أنه يعيد المشهد إلى نقطة الصفر، فالهجوم على منشأة مدنية وسيادية لا يقتصر أثره على البنية التحتية، إنما ينعكس مباشرة على آلاف المرضى والمسافرين والطلاب والمغتربين الذين ينتظرون فتح مطار صنعاء بصورة كاملة، وهو ما يجعل المدنيين أول المتضررين من استمرار الصراع.
كما أن البيانات الصادرة عن وزارة النقل، ورئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام، والمكتب السياسي لأنصار الله، والمتحدث الرسمي للقوات المسلحة، جاءت متقاربة في مضمونها، معتبرة أن ما جرى يمثل انتهاكًا للسيادة، وخرقًا لمسار التهدئة، وإصرارًا على استمرار الحصار، مع التأكيد أن هذا التصعيد لن يمر دون رد.
ومن الناحية السياسية، فإن استهداف مطار صنعاء يحمل رسالة تتجاوز المطار نفسه؛ فهو يتعلق بحق اليمن في إدارة أجوائه ومنافذه بعيدًا عن أي وصاية خارجية.
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة فرض معادلات الهيمنة القديمة تصطدم بواقع مختلف تشكل خلال سنوات العدوان،
حيث أصبحت معادلات الردع اليمنية أكثر حضورًا، وأصبحت كلفة التصعيد على السعودية أعلى بكثير من السابق.
ولذلك فإن التحذيرات التي صدرت في الأشهر الماضية بشأن المطارات والموانئ السعودية لم تكن مجرد تصريحات إعلامية، لكنها جزءًا من معادلة أعلنها قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي بقوله:"مطار الرياض بمطار صنعاء،والبنوك السعودية بالبنوك اليمنية، والموانئ السعودية بالموانئ اليمنية، ولا يمكن أن نسكت." وهي معادلة تقوم على مبدأ الرد بالمثل، وربط الأمن بالأمن، والاستقرار بالاستقرار.
إن استمرار استهداف المنشآت المدنية لا يصنع سلامًا، كما أن الحصار لم ينجح طوال أكثر من عقد في إخضاع اليمن أو انتزاع قراره الوطني، فقد أسهم في ترسيخ قناعة لدى الشعب اليمني بأن السيادة لا تُمنح، وإنما تُنتزع بالصمود والثبات.
وليدرك من يدفع نحو التصعيد أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأن استهداف مطار صنعاء سيكون بداية مرحلة جديدة تعيد رسم قواعد الاشتباك وتفرض معادلات أكثر صعوبة على العدو، فالبادئ بقصف المطار أظلم والرد أعظم.
والساعات والأيام القادمة إن شاء الله ستؤكد أن مطار صنعاء لم يعد مجرد منشأة مدنية، لكنه أصبح رمزًا لسيادة وطن، وعنوانًا لمعركة كسر الحصار وإنتزاع حقوق الشعب الصامد، وإيذانًا برحيل المحتل من اليمن مقبرة الغزاة.