عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
شهد النصف الأول من شهر تموز /يوليو الحالي، منعطفاً دراماتيكياً في السياسة الخارجية الأمريكية.
فجنون العظمة و"الأناالمتفجرة" في نرجسية ترامب المضطربة صورا له، أنَّ إرسال إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس، يعلن فيه استئناف العمليات العسكرية ضد أهداف داخل إيران، هو بمثابةغطاء من الكونغرس لإستئناف العدوان .
فالإخطار لم يكن مجرد تصعيد عسكري في مضيق هرمز، بل جاء ليعكس زلزالًا دستورياً في الداخل الأمريكي، وقنبلة موقوتة في وجه القانون الدولي، مدفوعًا بأسلوب قيادي يمزج بين النرجسية السياسية، والنزعة التجارية البراغماتية.
1. الدستور الأمريكي تحت المقصلة
#من يملك حق إعلان الحرب؟
لطالما حذر فقهاء القانون الدستوري في الولايات المتحدة من تمدد صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب التشريعية، لكن خطوة ترامب الأخيرة نسفت التوازن التقليدي بين السلطات:
#إحتكار قرار الحرب:
فالدستور الأمريكي في مادته الأولى يمنح الكونغرس حصريًا سلطة إعلان الحرب.
ورغم أن الرئيس الأمريكي هو "القائد الأعلى للقوات المسلحة" (Commander-in-Chief)، إلا أن هذا الدور يقتصر إستراتيجي فقط على إدارة العمليات والدفاع ضد الأخطار المداهمة، ولا يمنحه تفويضًا مفتوحاً لشن حروب هجومية.
#ثغرة الـ 60 يوماً:
تذرعت إدارة ترامب بـ "قانون صلاحيات الحرب لعام 1973" (War Powers Resolution) لفتح نافذة قانونية مدتها 60 يوماً. لكن المعارضين يرون أن هذا الإلتفاف غير قانوني؛ فالقانون وُجد لتقييد الرئيس، وليس لمنحه رخصة مجانية لشن ضربات إستباقية ضد دولة ذات سيادة دون موافقة تشريعية مسبقة بأغلبية الثلثين.
2. من قمة الـ G7 إلى الناتو في تركيا:
دبلوماسية "الشتائم والشرشحة"
لا يمكن فهم سلوك ترامب السياسي دون تحليل البعد السيكولوجي لشخصيته المزاجية و"النرجسية وجنون عظمته، والتي برزت بوضوح في ثلاث محطات رئيسية:
1- رسالة "أنا الرئيس" في قمة الـ G7:
تعمُّد ترامب التأخر عن اجتماع قادة الدول الكبرى (G7)، لم يكن مجرد سوء تنظيم، بل حركة استعراضية مدروسة، لإرسال رسالة مفادها أن جدول أعمال العالم يدور حوله.
وحين عوتِبَ، إختصر المشهد بعبارته الشهيرة: "أنا الرئيس".
2- تصفية الحسابات مع نتنياهو:
لم يغفر ترامب لتسريبات رئيس الوزراء نتنياهو، وتفاخره في َمجالسة الخاصة أنه "يتحكم بترامب كالألعوبة بين يديه، وقد جرّه للحرب مع إيران".
فجاءت هذه الضربات لنتنياهو بمثابة "مسح بالأرض" بالحليف المقرب نتنياهو، ليثبت ترامب من خلالها أنه وحده من يملك مفاتيح الحرب والسلام، وأنه لا يتحرك بأجندة أحد سوى أجندته الخاصة، وليس تابعًا لأحد، لأنه الرئيس، والآخرين يتبعونه.
3- بلطجة منبر الناتو في تركيا (إنهاء البنود الـ 14 مع إيران):
وإستكمالاً لهذا الإندفاع الشخصاني، والعنتريات الجوفاء، إستغل ترامب إجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو على هامش قمة الحلف في تركيا، ليطلق سيلًا جارفًا من الأوصاف والنعوت النابية، والخارجة عن اللياقة الدبلوماسية بحق الشعب الإيراني وحكومته.
وفي خطوة مزاجية نسفت مساعي التهدئة؛ فأعلن ترامب من هناك إنهاء "إتفاق البنود الـ 14" مع إيران، طاوياً صفحة الدبلوماسية التقنية ومستعيضًا عنها بلغة التهديد والوعيد والشتائم المباشرة، محولًا المنصات الدولية المخصصة للأمن الجماعي إلى حلبة إستعراض شخصي ل "زعيم مافيا"، وليس لرئيس دولة عظمى.
3. القانون الدولي والتهديد بجرائم حرب
تجاوزت التهديدات الأخيرة لترامب حدود الضغط الدبلوماسي لتلامس تخوم الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني:
#فالمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص على:
"تحظر تماماً مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأعيان والمرافق التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، بما في ذلك محطات المياه والطاقة والبنية التحتية الأساسية" .
فالتهديد المباشر بفرض حصار شامل وتدمير البنى التحتية الإيرانية لا يندرج تحت بند "الدفاع عن النفس"، بل يراه خبراء القانون الدولي بمثابة عقاب جماعي، يرقى إلى مستوى "جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية"، بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
4. دبلوماسية "الخوات" وزعيم المافيا الدولي
وفي إنجاز آخر لسياسة ترامب، عاد منطق "الجزية والحماية المأجورة" ليتصدر المشهد من خلال مطالبة دول الخليج بدفع مبالغ طائلة مقابل مظلة الحماية الأمريكية في مضيق هرمز.
يكرس ترامب مفهوم "البلطجة الدولية" أو عقيدة "المافيا الدولية" أو مبدأ "إرهاب الدولة" التي تحول الجيوش الوطنية إلى شركات أمنية خاصة تعمل بالقطعة، في وقت يرى فيه منتقدوه أنه يعجز حتى عن حماية هيبة بلاده الدستورية في الداخل، والقواعد العسكرية في دول الخليج تحديدًا.
وفي المحصلة،
فإن صدمة يوليو تضع العالم أمام نموذج قيادي فريد من نوعه يتميز بجنون عظمته وإضطراب نرجسيته؛ فلا يعترف بالخطوط الحمراء الدستورية، الدبلوماسية، أو الدولية.
وإذا مرّت هذه القرارات الهوجاء من تمزيق الاتفاقيات في الناتو إلى شن الحروب الفردية دون كبح جماح من الكونغرس أو ضغط دولي حقيقي، فإن مفهوم "الدولة المؤسساتية" في أمريكا والعالم سيتلاشى كلياً، ليخلي المكان لعصر "القيادة الشخصانية المتفجرة" بكل ما تحمله من مخاطر كارثية على الاستقرار الأمريكي والعالمي.
فترامب يمثل اليوم الخطر الوجودي الحقيقي على السلام والأمن العالمي؛ قبل أن يجر أمريكا والعالم إلى حرب عالمية ثالثة لا يريدها إلا ترامب.
يجب كبح جماح ترامب، حتى لا يحرق نيرون العصر روما مجددًا، ولا يعين كاليغولا عصره الأحصنة نوابًا ويطعهمهم تبنًا.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
15 تموز/ يوليو 2026