ترامب محاصر بـ
مقالات
ترامب محاصر بـ"أبواب الجحيم".. وجوزيف عون في البيت الأبيض يتسوّل انجازاً دون أوراق.
موسى عباس
19 تموز 2026 , 16:41 م

كتب: موسى عبّاس

دخلت المنطقة مرحلة متقدمة على حافة الهاوية الاستراتيجية، حيث تشابكت الخطوط الميدانية والسياسية بين جبهة جنوب لبنان ومضيق هرمز بشكل غير مسبوق. وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي توعّد فيها بـ"فتح أبواب الجحيم" على طهران انتقاماً للخسائر البشرية في صفوف الجنود الأمريكيين، لتعكس حجم المأزق الذي تواجهه الاستراتيجية الأمريكية في احتواء التصعيد، وسط عجز واضح عن كسر الإغلاق الإيراني الكامل للمضيق أو حماية القواعد العسكرية في المنطقة.

— أولاً: كواليس التفاوض المباشر بين الكيان الصهيوني ولبنان في روما :

واستهلاك الوقت وصيغ الاتفاق الالتفافية:

أفضت الجولة الأخيرة من المفاوضات إلى طرح صيغة "المناطق التجريبية" لدخول الجيش اللبناني إليها. إلا أن القراءة العميقة تكشف حقيقتين:

— واقع الميدان دحض الادعاءات: "المناطق التجريبية" المطروحة لم يتمكن جيش الكيان الغاصب من احتلالها أو التثبيت العسكري فيها برّاً على مدار أشهر من القتال، مما يحوًِل صيغة الاتفاق إلى مخرج سياسي وإعلامي للتغطية على الإخفاق الميداني.

— استهلاك الوقت السياسي: المفاوضات تبدو عملية كسب وقت لصالح رئيس حكومة الكيان، مستفيداً من تركيبة الوفد اللبناني المفاوض الذي يفتقر للخبرة السياسية والنديّة اللازمة.

— ثانياً: ضعف الموقف الرسمي اللبناني وزيارة واشنطن:

وفي تزامن لافت، وصل رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى واشنطن مستبقاً الموعد المحدد. والسؤال الذي يفرض نفسه بموجب المسؤولية الدستورية والوطنية في حماية البلاد: ماذا بقي لديه ليقدمه لـ ترامب ونتنياهو بعد نتائج جولة وفده التي سلّمت بأجندة الخصم؟

إنّ إعلان الوفد اللبناني الرسمي للخصومة مع المقاومة المحلية، وعدم استناده إلى الحاضنة الشعبية والعسكرية أفرغ ورقة الدولة التفاوضية. وبدلاً من الذهاب إلى البيت الأبيض بأوراق قوّة ميدانية، كانت الحركة السياسية تفتقر لأي أوراق ضغط حقيقية، وهذا ما يفسر إصرار الكيان الغاصب على طرح صِيَغ فشل في انتزاعها ميدانياً.

— ثالثاً: جبهة الخليج.. اعتراف بالخسائر وعجز عن حسم معركة هرمز

—استهداف المنشآت المدنية: تصاعدت الهجمات الأمريكية على المنشآت الحيوية الإيرانية بهدف شل العصب الاقتصادي، كتعويض عن العجز الميداني.

— سقوط الردع وحصيلة الدّم: واصل الحرس الثوري ضرباته الدقيقة والمدمرة ضد القواعد الأمريكية في الخليج والأردن وسوريا. ورغم محاولات التعتيم، اضطرت الدوائر الأمريكية للاعتراف بسقوط قتلى وجرحى بالعشرات، فضلاً عن وجود مفقودين في صفوف القوات الأمريكية جراء دقّة الهجمات الصاروخية وأسراب المسيّرات التي تخترق منظومات الدفاع الجوي.

— معادلة هرمز وباب المندب:

يعكس هذا التحوّل عجز القوّات الأمريكية الكامل عن كسر معادلة إغلاق مضيق هرمز بالكامل رغم كثافة النيران، بالتزامن مع مؤشرات لدخول اليمن خط المواجهة والتهديد بإغلاق باب المندب، وهي خطوة ستؤدي إلى خنق الملاحة وقطع شريان التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

— رابعاً: الجبهة الداخلية

الأمريكية.. الشرخ يّسع:

لم يعد التصعيد محصوراً في الخارج، ففي الداخل الأمريكي يتصاعد الرفض للحرب ضد إيران على مستويات عدة، مدفوعاً بتناقض تصريحات الرئيس ترامب وبتدفق توابيت الجنود وأخبار المفقودين:

— المستوى الرسمي: أصوات في الكونغرس تحذّر من "مغامرة بلا أهداف" وتطالب بتفويض تشريعي قبل أي ضربات عسكرية إضافية قد تزيد من الفاتورة البشرية والمادية.

— المستوى الشعبي: تراجع حاد في تأييد حرب جديدة في الشرق الأوسط مع تخوّف حقيقي من قفزات أسعار الوقود وتأثيرها المعيشي، وغضب متزايد من التضحية بالجنود.

— المستوى الإعلامي:

رفضت شبكات كبرى بث خطاب ترامب الأخير كاملاً، مما أثار غضبه ودفعه للمطالبة بإقفالها ومهاجمتها علناً للتغطية على مأزقه.

هذا الشرخ الداخلي يطرح علامة استفهام كبرى: هل سيُقيِّد يد ترامب —المستميت لتحقيق إنجاز ما وسط خسائر قواته— في "أبواب الجحيم" أم أن ّجنونه وحساباته الانتخابية سيدفعانه للتصعيد أكثر؟

— خامساً: استشراف السيناريوهات

— حرب الاستنزاف:

استمرار القصف المتبادل والنزيف البشري الأمريكي مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً بالكامل وربما تفعيل جبهة باب المندب مع ما يعنيه ذلك على صعيد الإتصاد العالمي.

— المواجهة الشاملة:

ضربات أمريكية واسعة على العمق الإيراني، ترد عليها طهران بتثبيت الإغلاق الكلي للمضيق لقطع إمدادات الطاقة العالمية تماماً واستهداف كافة المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة بشكل غير مسبوق.

— التسوية الاضطرارية:

تزايد الضغط الاقتصادي وتراكم الخسائر في الأرواح والعتاد، وتصاعد المعارضة الداخلية قد يدفع واشنطن لتقديم تنازلات تكتيكية مريرة للهروب من المستنقع في مقابل ثبات الموقف الإيراني .

خلاصة الموقف:

أثبتت الوقائع أن التصعيد الناري ضد إيران اصطدم بحقائق ميدانية صلبة؛ فالمنطقة من جنوب لبنان إلى هرمز وباب المندب تُدار اليوم بمعادلات ردع متبادلة، واعتراف واشنطن بقتلاها ومفقوديها هو الدليل القاطع على فشل التهويل. ومع وصول عون إلى واشنطن خالي الوفاض من أوراق القوّة الحقيقية، وتصاعد المعارضة الداخلية في أمريكا، يبقى وعيد "أبواب الجحيم" محاولة يائسة لإعادة صياغة توازن مفقود في المنطقة.

ويبقى السؤال: هل يُسلّم عون لبنان في أروقة واشنطن لينقذ ترامب من أبواب الجحيم التي فتحها على نفسه، أم أن الميدان المثخن بالخسائر الأمريكية سيبقى هو صاحب الكلمة الفصل؟