في كل حرب، تتجه عدسات الكاميرات نحو الدبابات والصواريخ والجبهات المشتعلة، وتتسابق وسائل الإعلام لإحصاء القتلى والجرحى، غير أن هناك ضحايا لا تتوقف عندهم العدسات، ولا تُذكر أسماؤهم في البيانات الرسمية، ولا يجدون مكانا في عناوين الأخبار. إنهم الضحايا المنسيون للحروب؛ أولئك الذين يواصلون دفع ثمن الصراع طويلا بعد أن يعلن العالم انتهاء المعارك.
فالضحية ليست فقط من فقد حياته في ساحة القتال، بل أيضًا الطفل الذي حُرم من مقعده الدراسي، والأم التي تنتظر عودة ابنٍ تعلم في أعماقها أنه لن يعود، والعجوز الذي انهار منزله فوق ذاكرته، واللاجئ الذي يحمل وطنه في حقيبة صغيرة، متنقلًا بين الحدود بحثًا عن مكان يمنحه شيئًا من الأمان. وهناك أيضًا من فقدوا أطرافهم أو أبصارهم، أو خرجوا من الحرب بأجساد سليمة ونفوس مثقلة بجراح لا يراها أحد.
وتبقى الصدمات النفسية من أكثر آثار الحروب قسوة واستمرارًا. فآلاف الأطفال يكبرون وهم يحملون في ذاكرتهم أصوات الانفجارات وصور الدمار، ويعانون الخوف والقلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، بينما يعيش كثير من الجنود والمدنيين سنوات طويلة في مواجهة مع ذكريات لا تغادرهم. إنها جراح خفية، لكنها قد تكون أشد ألمًا من جراح الجسد.
ومن بين الضحايا المنسيين أيضا النساء اللواتي يجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن أسر كاملة بعد فقدان الأزواج أو الأبناء، فيواجهن الفقر والنزوح والاستغلال، إلى جانب ملايين الأطفال الذين حُرموا من حقهم في التعليم، فسرقت الحرب مستقبلهم كما سرقت حاضرهم، وحرمت مجتمعاتهم من أجيال كان يمكن أن تكون أساسا للتنمية والاستقرار.
ولا تتوقف المأساة عند الإنسان وحده، فالحروب تترك ندوبا عميقة في الأرض أيضًا. فهي تدمر المستشفيات والمدارس، وتحرق الغابات، وتلوث الأنهار، وتنسف الجسور والبنى التحتية، وتطال المواقع الأثرية والتراث الثقافي، فتفقد الشعوب جزءًا من ذاكرتها وهويتها الحضارية. إنها خسائر تمتد آثارها لعقود، ولا تمحوها اتفاقيات السلام ولا مشاريع إعادة الإعمار وحدها.
والمؤلم أن اهتمام العالم غالبا ما يبلغ ذروته في الأيام الأولى للحرب، ثم تتراجع المأساة تدريجيًا من نشرات الأخبار، بينما يبقى ملايين البشر يصارعون الجوع والمرض والتشرد والفقدان. وكأن انتهاء التغطية الإعلامية يعني انتهاء المعاناة، في حين أن الألم الحقيقي يبدأ بالنسبة لكثيرين بعد توقف القتال.
إن العدالة لا تتحقق بمجرد إسكات البنادق، بل تبدأ بالاعتراف بكل الضحايا دون تمييز، وتأمين العلاج الجسدي والنفسي للمصابين، وإعادة تأهيل المجتمعات المنكوبة، وضمان حق الأطفال في التعليم، وحق اللاجئين في العودة الآمنة أو الحياة الكريمة، ومحاسبة كل من أشعل الحروب أو ساهم في إطالة أمدها، لأن السلام الحقيقي لا يقوم على النسيان، بل على الإنصاف والمساءلة.
فالحروب لا تنتهي عندما يصمت السلاح، بل عندما يستعيد الإنسان كرامته، ويعود الطفل إلى مدرسته وضحكته، وتستعيد الأم شعورها بالأمان، ويجد اللاجئ وطنا يحتضنه، ويشعر كل من فقد جزءا من إنسانيته أن العالم لم يدِر له ظهره.
فالضحايا المنسيون ليسوا أرقاما في تقارير دولية، بل هم الامتحان الحقيقي لضمير الإنسانية. وإذا كان السلام يبدأ بوقف إطلاق النار، فإنه لا يكتمل إلا عندما يسمع العالم أصوات هؤلاء، ويعترف بآلامهم، ويمنحهم فرصة عادلة ليبدؤوا حياة جديدة، لأن قيمة السلام تُقاس بما يتركه في حياة الإنسان، لا بما يُكتب في الاتفاقيات.