بقلم ( عباس المعلم )
قُمْ وجَدِّدِ الحزنَ في العشرين من صفر، فإن للحسين مواقيتَ لا تُدركها الشمسُ والقمر، وإنما تُدركها القلوب إذا استضاءت، والأرواح إذا تجرّدت، والبصائر إذا انقشع عنها غبارُ الدنيا. وما الحزن عليه لوعةَ مفجوعٍ استسلم لسلطان الفقد، بل هو جلالُ المحبة إذا بلغت غايتها، وهيبةُ المعرفة إذا لامست تخوم اليقين. هنا تتطهّر السرائر بوضوء الدموع، وتُخلع عن القلب أثقالُ الهوى، ويغدو البكاء محرابًا تُناجي فيه الأرواح ربَّها من باب الحسين، إذ ليس كلُّ دمعٍ انكسارًا، وإنما بعضُ الدموع سؤددٌ، وبعضُها عبادة، وبعضُها منازلُ لا يبلغها إلا من عرف أن للحزن على أولياء الله نورًا يسبق الفرح إلى رضوانه.
وفي العشرين من صفر، لم يلتئم شعثُ الجسد بعودة الرأس الشريف إليه فحسب، بل التأم به شعثُ الضمير الإنساني بعد أن كاد يُبدِّده طغيانُ السلطان. هنالك لم ينتصر الدم على السيف لأن الدم أكثر عددًا أو أمضى حدًّا، وإنما لأنه كان مشحونًا بسرِّ الحق، وما اتصل الحقُّ بشيءٍ إلا جاوز حدودَ الزمان، وأفلت من قبضة الفناء. فسقطت التيجانُ وإن بقيت على الرؤوس، وخمدت الصوارمُ وإن بقيت في الأغماد، وبقيت قطرةٌ من دم الحسين تُملي على الدهور فقهَ العزة، وتُقرئ الأجيال أن البقاء ليس ميراث الأقوياء، بل إرثُ الصادقين.
ثم انظر كيف شاء الله أن يجعل للأربعين سرًّا لا يشبه سائر المواسم؛ فليست هي رجعةَ زائرٍ إلى مزار، بل رجعةُ الإنسان إلى فطرته الأولى، حين كان القلب لا يعرف إلا وجهته، ولا الضمير إلا قبلته، ولا الروح إلا عهدها مع بارئها. هنالك تتهاوى أسماءُ القبائل والممالك والمذاهب أمام اسمٍ واحدٍ إذا ذُكر خشعت له الأكوان: الحسين. اسمٌ إذا جرى على اللسان رقَّت القسوة، وإذا استقرَّ في القلب استحالت الخشيةُ بصيرةً، واستحال الحبُّ مسؤوليةً، واستحال الولاءُ حياةً كاملةً لا شعارًا عابرًا.
وما البيعة للحسين لفظًا تتناقله الشفاه، وإنما هي أمانةٌ تستقرُّ في سويداء القلب حتى تُعيد صياغة الإنسان من داخله. بها يتهذّب العقل فلا يخدعُه البريق، ويشمخ الضمير فلا يستميله السلطان، وتصفو النفس فلا تبيع حقًّا برغيف، ولا كرامةً بأمان، ولا يقينًا بعرضٍ من أعراض الدنيا. فمن بايع الحسين حقًّا، لم يعد يسأل: كيف أعيش؟ بل صار يسأل: بأيِّ وجهٍ ألقى الله؟ ومن هناك تبدأ الحكاية كلُّها.
فيا قاصدَ الأربعين… إذا دنوت من كربلاء، فاخفض لجلالها صخبَ قلبك قبل صوتك، فإنها ليست بقعةً من التراب، بل مهوى الأرواح إذا أضناها التيه، ومرفأ القلوب إذا أعياها الموج، ومشكاةُ النور إذا ادلهمّت على الأمة لياليها. وإذا وطئت ثراها، فلا تظن أنك بلغت نهاية الطريق، فإن كربلاء لا تمنح الواصلين خاتمةَ السفر، بل تمنحهم ولادةً أخرى؛ ولادةَ قلبٍ لا يُغلبه خوف، ولا يشتريه سلطان، ولا تُطفئ يقينَه السنون. هنالك يدرك العارفون أن الحسين عليه السلام ليس صفحةً في كتاب التاريخ، بل هو الكتابُ الذي كلما أعادت الأمة قراءته، استعادت أسماءها الضائعة، وكرامتها المبددة، وعهدها الأول مع السماء. ولذلك يبقى العشرون من صفر ليس يومًا يُعَدُّ في روزنامة الأعوام، بل ميقاتًا تُجدِّد فيه الأرض بيعتها للحق، وتُجدِّد فيه السماء عهدها بالقلوب التي عرفت أن طريق الله قد يمرُّ بكربلاء، لكنه لا يقف عندها، بل يمتدُّ منها إلى قيام الساعة.
عباس المعلم - إعلامي لبناني