عبد الحميد كناكري خوجة: انحنى الوطن طويلا، وآن له أن ينهض واقفا على منبر الوعي.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: انحنى الوطن طويلا، وآن له أن ينهض واقفا على منبر الوعي.

”حين يتستر الشر برداء الدين بين سيف التكفير وقلم الحق، وحين تتقن الفتنة ارتداء عباءة المقدس: تكفير بلسان الدين، وتطبيع بلسان الوهم، وشطرنج هيمنة يحول العقيدة إلى معول لهدم الوعي والسيادة."

{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

ما بين رصاص الجهل وقلم العلم، ينجو وطن أو يسقط شعب. لقد سجدت أوطاننا طويلا أمام رياح سممتها مخططات دهاليزية إبليسية؛ حيث نسج المشروع الصهيو_إمبريالي صفحة جديدة من مشروع سايكس_بيكو، قوامها شرعنة الشر، وميتافيزيقيا الخيانة، وديالكتيك الدمار، وجينالوجيا للتواطؤ امتدت خيوطه عقودا لتوظيف كل ما هو مقدس لأطماع دنيئة. استخرج العدو من جعبته أدوات ناعمة وأخرى خشنة، وألبسها عباءة الدين الحنيف، ليحولها إلى قطعان تكفير وإرهاب...لا تضرب إلا في شرايين الأمة، وتستهدف وحدتها، وتفتيت ترابها، تمهيدا لفرض واقع جديد تسيطر فيه قوى الهيمنة، وتصبح فيه الشعوب رهينة لقرارات لا تصدر إلا في دهاليز هذا العدو.

أقولها بمنطق لا يلين، وبجرأة لا تعرف المواربة: لا أهاجم الدين، بل أحميه من التوظيف السياسي التخريبي. حيث أخوض حربا فكرية شاملة ضد التطرف والإرهاب الهجين والتكفير الإعلامي؛ فأنا لا أحمل قلما فحسب، بل أستنهض وعي أجيال قادمة، وسأجعل من ريشتي سهما، ومن كلماتي قذائف فكرية تهز الوعي الجمعي للمشروع الاستعماري، أخترق بنية المخطط التفكيكي وآليات اشتغاله مهما تنكر.

ومنذ أن أطلت ثورة 1979 في إيران على المشهد الإقليمي، أعلنت قيادتها منذ ذلك الحين موقفا رافضا للخضوع، ووقفت سدا منيعا في وجه قوى الهيمنة، دفاعا يليق بسيادة شعبها ووحدة أراضيها وثرواتها، ومصير قرارها. تحملت في سبيل ذلك أصناف الحصار والعدوان، وتكالب أهل الباطل عليها، لكنها ظلت كالقلعة الفولاذية المنيعة والقمة الشامخة لا تحركها رياح الحقد والعدوان. لأنها أثرت الكرامة على الذل، والاستقلال على الارتهان والقرار الوطني على الإملاء الخارجي، والحرية على الاستعباد. هذا الموقف، وأثبتت أن الخضوع ليس طريقا مضمونا إلى السلام. وأن السيادة لا تصان بالتنازل عنها. كما أثبتت أن الأمة قادرة على أن تكون رقما صعبا لا يمكن تجاوزه.هذا الموقف ما جعلها هدفا مستمرا لضغائن قوى الإستعمار والأطماع.

وفي المقابل، لا يزال الكيان الغاصب يمارس أبشع أنواع الجرائم في جنوب لبنان وقطاع غزة حيث تسفك الدماء تحت سمع العالم وبصره، مدمرا البنية التحتية ومشردا الأهل مستخدما كل وسائل القتل والدمار، ويستبيح تراب الجنوب السوري حتى بات على مشارف العاصمة دمشق. في مشهد يضع مسألة السيادة والأمن الإقليمي أمام اختبار بالغ الخطورة. ومن المنطق السليم أن تستيقظ النخوة، وتتبلور المقاومة الوطنية السورية لتحرير الجولان وكل شبر استباحه المحتل. فلا يسترد الحق بالدعاوى وحدها، بل بالإرادة والاتحاد. إن على الشعب السوري ومؤسسته أن يدركوا أن الخطر الذي يهدد السيادة الوطنية والعدو واحد، وأن المقاومة الوطنية اللبنانية هي الدرع ذاته الذي يحمي الشرف والتراب ويصون الأرض والعرض، فلا يجب الاستجابة لأي نداء يطلقه العدو يرمي للإيقاع بين الشعبين والجيشين في البلدين الشقيقين، بل ليوجهوا كل جهودهم نحو مواجهة المحتل الذي دنس المقدسات الإسلامية والمسيحية بالإضافة إلى ترابهم الوطني، وسفك الدماء، واتسعت رقعة أطماعه كلما غاب الوعي، وتمددت المخاطر كلما تراجعت إرادة السيادة. وليعلم الجميع أن المشروع الصهيوني لا حدود له؛ فما احتله اليوم مقدمة لما يبتلعه غدا، ولن تسلم منه شعوب المنطقة، فالمخطط ممتد، والأطماع لا تقف عند حد.

ولم يكن هذا الغاصب لينفذ مخططاته لولا أدواته؛ من قطعان التكفير والتطرف الأعمى والإرهاب الذي ترعرعت في أحضان الاستعمار، تلك الجماعات المتطرفة المتسترة بعباءة الدين التي لا تشهر السلاح إلا في وجه المقاومين وتستهدف أوطانها، وتغض الطرف عن جرائم وانتهاكات المحتل لفلسطين، بل وتسعى وتتحرك في بعض الحالات بما يخدم أجندات تتقاطع مع مصالح قوى العدوان. لتمزيق النسيج الإجتماعي تحت شعارات مزيفة، والفرق واضح لا لبس فيه: بين الكفاح المشروع لتحرير الأوطان، وبين الإرهاب الأعمى الذي يتآمر على الأوطان ويخدم أجندات العدوان، وقد جاء التحذير القرآني صريحا { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}. وتنهي عن الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أقولها بوضوح: إن لم تكن حارسا للحق فلا تكن مخالب للباطل. الأمن الفكري أصبح واجبا كالأمن السياسي والعسكري، وكل من يسعى إلى زرع الفتنة بين أبناء الأمة إنما يفتح ثغرة في جدارها الداخلي هو خائن مهما كانت شعاراته التي يرفعها.

العدو الأول ليس مذهبا ولا طائفة، بل هو الكيان الإسرائيلي الغاصب وكل من يتواطأ معه ولو بعمامة مزيفة، فالخلاف المذهبي أو الطائفي لا ينبغي أن يتحول إلى وقود لصراع يخدم الاحتلال. فالخصومة السياسية تقاس بالمواقف والممارسات، لا بالانتماءات الدينية والمذهبية. وإن تعاليم القرآن لا تبيح أبدا مصافحة الأيادي الملطخة بدماء الشهداء الأبرار في غزة العزة والجنوب اللبناني الشامخ. وكل بقعة دنستها أقدام العدو.

الخاتمة:

ستبقى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بشعبها العظيم وقيادتها الحكيمة، الصخرة المنيعة، والرقم الصعب الذي لم ولن يستطيع العدو تجاوزه، ومنارة يهتدي بها الأحرار والشرفاء في كل مكان، ولن يسلم أحد من مخططات الاستعمار إلا بالوحدة، واليقظة، والوقوف صفا واحدا في وجه العدو الغاصب. لقد ركع الوطن طويلا، وآن له أن ينهض، وأن يبقى واقفا شامخا على منبر الوعي، لا ينخدع بأقنعة، ولا يرهب بتهديد، مستمدا عزه من الحق، وقوته من الاتحاد بين أبنائه، ومدركا أن النصر لا يأتي إلا لمن صدق مع الله سبحانه، وصدق مع شعبه وصدق مع الحق. فليحاصر الفكر المتطرف لا الإنسان، ولتغلق منافذ كتبه ومنشوراته ولتحاصر منابره المحرضة، فحين تتحول العقيدة إلى لعبة شطرنج استخباري، يصبح الوعي الوطني سدا في وجه التطبيع والانبطاح وشرعنة الشر.

كاتب سوري حر.

الأكثر قراءة التفكير بصوت عالٍ
التفكير بصوت عالٍ
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً